على هامش النقاش حول مقترح إلغاء عقوبة الإعدام(1-2)

بقلم// الشيخ مظهر الحموي*
انشغلت أوساط الرأي العام اللبناني أواخر الأشهر الفائتة بتفاعلات مقترح إلغاء حكم الإعدام ، والذي تقدم به النواب الياس حنكش واسامة سعد وبوليت يعقوبيان وجورج عقيص وفيصل الصايغ وحليمة القعقور وميشال الدويهي . وركزت مختلف وسائل الإعلام المرئية والمقروءة برامجها وحواراتها على موجبات إلغاء حكم الإعدام وضروراته ، وتعددت الآراء حول وجوبه أو ضرورة إلغائه، وحفلت المنتديات بمناقشات مستفيضة وآراء مضادة في هذا الشـأن، وتشـعبت الطروحات وتوسعت أطر الحوار لتشمل حتى مقاصد العقاب والحدود ، وتركزت البحوث والمطالعات في جانب منها على الجانب القانوني .
حتى طرحت في برامج تلفزيونية خاصة بهذا الموضوع وأفردت الصفحات الإلكترونية حيزاً واسعأ من صفحاتها يومياً لإستكتاب الحقوقين والقانويين ورجال الدين من مختلف الطوائف لإستفتائهم حول آرائهم في إعدام القاتل. كما دخل على الخط بعض الجماعات التي ترفع شعار حقوق الانسان وأفسحوا لها المجال لتعرض بضاعتها وتروج لشعاراتها الطوباوية في إلغاء إحكام الإعدام .
وتداخلت النظريات والطروحات مختلفة المشارب والأهواء وتم الترويج للعديد من الدعاوى المستقاة من بعض الأنظمة الغربية التي تتباهى بإلغاء قانون الإعدام ، كما وردت طائفة من المغالطات في مفهوم العقاب أو القصاص ، وراح البعض يتباكى على إنسانية القاتل المجرم ويتوسل له الظروف التخفيفية والأعذار والملابسات ويدعي بأن الروح لايزهقها إلا خالقها ولا يجوز لأي فرد أو حاكم أن يتولى هذا الآمر..
وإلى اخر ما هنالك من آراء مختلفة
وفي الحقيقة لقد تمحورت النقاشات إجمالأ حول رأيين متناقضين، أولهما يروج لإلغاء عقوبة الإعدام، والرأي الآخر يحض على تنفيذها.
ويرى أصحاب الرأي الأول- أي منع الإعدام- أن هذه العقوية لم تعد حضارية وأننا نستخدم أسلوب القاتل نفسه و إزهاق الروح ، فكأننا صرنا مثله أي نمارس القتل ايضاً ، فما هو الفارق بيننا وبينه إذن – على حد إدعائهم – وكيف نجيز لأنفسنا ما نحرمه على غيرنا؟
ويضيفون أن الإعدام عقاب غير إنساني سواء بالشنق أم بإطلاق الرصاص أم بغيره…
ويتذرعون بالمغالطة التى تدعي أنه لا يحق أن يقبض الروح إلا خالقها.
وبالتالي فهى محرمة على بني البشر، وليس لهم أن يكونوا أوصياء على أرواح البشر مهما علا شأن الحاكمين
ولا يكتفون بالاحتجاج على هذا القانون أو معارضته بالمطلق ، بل إنهم يتقدمون بإقتراحات بديلة، يرونها في نظرهم تؤدي المقاصد المرجوة من العقاب، ويتوسلون لمقترحاتهم هذه بعص النظريات والفلسفات ـ سنتطرق الى تهافتها لاحقأ- وهى من أحدث مبـتكرات الحضـارة الغربية التي تركز على إيجاد مبررات وأعذار لأي مجرم أو قاتل حتى ولو كانت جريمته عمدأ أو قصداً وعن سابق تصور وتصميم ، ولو نفذها بأعصاب باردة ، بكامل وعيه، وحتى وإن إرتكب مسلسل جرائم مرعبة وإن رافقها عمليات إغتصاب أو قطع طرق، أو سلب، اًو…
وكل ما يرتكبه هذا المجرم له ظروفه ومبرراته في رأيهم طبعاً، وهذا القاتل ليس مجرماً، بل هو أيضاً ضحية ينبغى علينا وعلى معاهد البحوث والجامعات وجهابذة علم النفس وأطباء التحليل النفسي وعلماء الإجتماع والتربية والوراثة والبيئة أن يتدارسوا تاريخ هذا الانسان، المثير
للشفقة ويستنفروا التحريات الناشطة لإستعراض أجواء ولادته ونشأته وعائلته وأحوال والديه وأقربائه وأصدقائه ودراسته وأساليب تعامله مع زملائه في العمل وعدد عشيقاته وصدماته العاطفية وإبراز عقده النفسية مهما كانت واهية وضرورة إجراء فحوصات سريرية ومخبرية وشعاعية للدماغ والأعصاب وإخضاعه لروائز – آخر صرعة – تسمح باستكشاف العوامل الدفينة التي أدت به إلى إرتكاب فعلته وهم – أصحاب هذه النظرية – على يقين انهم سيجدون ثغرة نفسية عاطفية في هذا الملف الضخم الذي يستغرق شهوراً واحيانا سنوات، ويكبد الدولة مصاريف ضخمة من أجل تخفيف الحكم إن لم نقل تبرئته في معظم الأحيان لأن الحق على هذه العقدة العاطفية ، أو الصدمة النفسية أو البيئة الاجتماعية أو الظروف الأسرية …وما شابه
ولا يكتفى ادعياء الانسانية، هؤلاء بالحكم المخفف بل يتابعون نضالاتهم من اجل حقوق (المجرم) -عفوٱ – حقوق الإنسان، فيطالبون له بأرقى المصحات النفسية والمراكز التدريبية وإستنفار كبار المختصين بعلوم السلوك والتأهيل النفسي من أجل تأمين عودته عضواً نافعاً في المجتمع على حد تخميناتهم .
وهكذا دأبهم في التعامل مع السفاكين والمجرمين والعصابات الشاذة وكبار اللصوص والمفسدين ظناً منهم انهم سيفلحون في إعادتهم بشراً أسوياء للإنخراط في مجتماعتهم من جديد، ولكن عبثا ما يفعلون ويخططون ونحن نسمع انباء إزدياد الجرائم والإنحرافات والشذوذ وموجات القتل والسرقة والإدمان والإغتصاب وقطع الطرق يرتكبها معظم الذين خرجوا من هذه السجون فضلأ عن زملائهم الجدد الذين تعرفوا إليهم في الغرف داخل السجن بعد أن اخضعوهم لدورات تدريبية في الإجرام والقتل وسائر أنواع الإنحراف.. ولا يهم طالما -أنهم إذا قبض عليهم- سيعودون الى سجنهم مهما كانت مدة الحكم ، حتى وإن كانت اشغال شاقة مؤبدة.. فهناك حسومات، بثلث او ربع المدة، وحسن السلوك وما الى ذلك من فنون الحفاظ على حقوق الانسان المجرم هناك.
أما القتيل، واحسرتاه عليه وعلى أهله وأسرته، فما سمعنا من هؤلاء الحناين، على الانسان القتيل أي مطالعة أو إهتمام بمصيره ومصير أولاده وعائلته. ولا ندري إذا ما كانوا يتهمونه أيضا بأنه سبب إنحراف القاتل……
*إلى اللقاء في الحلقة الثانية
أخوكم الشيخ مظهر الحموي
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية
عضو اللجنةالقضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى


