الطائفية تنخر عظامكم…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
الطائفية تنخر أجسادكم حتى العظم… بل ربما الأدق أن نقول: الطائفية تنخر عظامكم، لأن ما نعيشه لم يعد مجرد انقسام سياسي أو اختلاف في الانتماء، بل أصبح سلوكًا يوميًا يتسلل إلى تفاصيل حياتنا، ويحدد أحيانًا إلى جانب من نقف، قبل أن نسأل: من معه الحق؟
لا أحد منكم يريد لبنان الـ10452 كيلومترًا مربعًا كما يقول في خطاباته. الجميع يتحدث عن الوطن الواحد، لكنكم في الواقع تعيشون داخل مربعات طائفية ومذهبية، وكل يوم تكشفون عن ذلك أكثر.
خذوا ما حصل أمس في طرابلس.
لماذا لم يكن هناك حضور مسيحي في ساحة النور إلى جانب أهلنا السنّة للمطالبة بقانون العفو العام؟ وفي المقابل، لماذا لا نرى سنّيًا بين تجمع مسيحي يرفع موقفًا معارضًا للعفو العام؟
ماذا يعني ذلك؟
ألا يعني أننا ما زلنا نتحرك وفق قاعدة: هذا تجمعنا، وهذه قضيتنا، وهؤلاء جماعتنا؟
والأخطر أن الطائفية لم تعد تحتاج إلى مظاهرة أو انتخابات لكي تظهر. يكفي أن يقع حادث سير بين سيارتين، إحداهما من المنطقة وتحمل شعارًا دينيًا أو مذهبيًا لا ينسجم مع هوى أبناء المنطقة، حتى يبدأ الاصطفاف فورًا. يتجمع أبناء المنطقة لمناصرة ابن منطقتهم، ولو كان مخطئًا، بدل أن تكون الأولوية لتهدئة الناس وإحقاق الحق.
من المخطئ؟ هذه هي المسألة. وليس من أي طائفة هو.
وفي أماكن العمل، قلّما تجد من يقول أو يكتب عكس ذلك. وحتى في أبسط تفاصيل الحياة اليومية، تجد الاصطفاف حاضرًا.
انظروا إلى استراحة الغداء.
ثلاث مجموعات، ثلاث ألوان، كل فئة تجلس مع فئتها. ثم تأتي الفئة الرابعة… مجموعة لا تشبه الثلاث. فيها أشخاص من طوائف مختلفة، يجلسون معًا، يتحدثون ويضحكون ويتشاركون الطعام، بعيدًا عن أي اصطفاف ديني أو حزبي.
هؤلاء، تحديدًا، هم الذين يبنون وطنًا.
الوطن لا يُبنى عندما نجلس إلى جانب من يشبهنا فقط.
الوطن يُبنى عندما نجلس إلى جانب من يختلف عنا، ونبقى قادرين على أن نحبه ونحترمه ونختلف معه، من دون أن يتحول اختلافه إلى تهمة.
لبنان ليس 18 مربعًا، ولا مجموعة أحياء مذهبية، ولا طاولات غداء منفصلة.
لبنان هو 10452 كيلومترًا مربعًا، وإذا بقي كل واحد منا يعيش داخل مربعه، ويعتبر الحق حقًا عندما يكون مع جماعته، وباطلًا عندما يكون ضدها، فسنظل نتحدث عن الوطن… من دون أن نكون قد عشنا يومًا في وطن.



