عندما وقف ايزنهاور في وجه بن غوريون هل يفعلها ترامب مع نتنياهو؟
بقلم// د. عدنان منصور*
يوم 29 تشرين الأول/ أكتوبر عام 1956، شنّت “إسرائيل” حرباً عدوانية على مصر، وقامت باجتياح قطاع غزة وسيناء، ومشاركة بريطانيا وفرنسا في حربهما على مصر بعد تأميم قناة السويس. استمرّت العمليات العسكرية حتى يوم 7 تشرين الثاني/ نوفمبر 1956، حيث أُعلن عن وقف إطلاق النار استجابة لقرارات الأمم المتحدة، وبعد ضغوط دولية على أطراف العدوان.
في 23 كانون الأول/ ديسمبر 1956 انسحبت القوات البريطانية والفرنسية من مصر، وبقيت “إسرائيل” في سيناء وقطاع غزة رافضة الانسحاب إلا بشروطها.
أمام تعنّت “إسرائيل” ورفضها الانسحاب، اتخذ الرئيس الأميركي حينها دوايت أيزنهاور موقفاً حازماً تجاه رئيس الحكومة الإسرائيلية دافيد بن غوريون، بعد أن دعمت الولايات المتحدة قرار الأمم المتحدة القاضي بانسحاب القوات العسكرية للتحالف الثلاثي، بما فيه “إسرائيل” من الأراضي المصرية.
أمام مماطلة “إسرائيل”، رفض الرئيس أيزنهاور الاعتراف بالمكاسب الإقليمية الناجمة عن استخدام القوة، معتبراً أنّ الاستيلاء على أراضٍ نتيجة الحرب يتعارض مع مبادئ القانون الدولي، وميثاق الأمم المتحدة، وأنّ الولايات المتحدة لا تقبل بفرض تغييرات إقليمية عن طريق القوة.
بعد أربعين يوماً من وقف القتال وانسحاب القوات الفرنسية والبريطانية من مصر، وجّه أيزنهاور في 3 شباط/ فبراير 1957 كتاباً إلى بن غوريون جاء فيه: “لقد مضت ثلاثة أشهر تقريباً، وقد انسحبت القوات البريطانية والفرنسية من مصر، لكن الانسحاب الإسرائيلي إلى خطوط الهدنة لم يكتمل بعد، وأنّ الولايات المتحدة تعتبر تنفيذ قرارات الأمم المتحدة أمراً ضرورياً”. في الشهر ذاته، هدّد أيزنهاور “إسرائيل” بفرض عقوبات اقتصادية عليها، وتعليق المساعدات الحكومية الأميركية لها، وأيضاً وقف الإعفاءات الضريبية للتبرّعات الأميركية الموجهة إلى “إسرائيل”، وإعادة النظر في العلاقات الاقتصادية معها.
كما لوّح أيزنهاور بدعم خطوات الأمم المتحدة بعزل “إسرائيل” دبلوماسياً في حال رفضها الانسحاب من مصر.
في 17 شباط/ فبراير 1957، صدر بيان عن البيت الأبيض جاء فيه: “إنّ الاحتلال المستمرّ خلافاً للحكم الساحق للمجتمع الدولي لا يوفر لـ “إسرائيل” مصدراً حقيقياً للأمن”.
في خطابه أمام الشعب الأميركيّ يوم 20 شباط/ فبراير 1957، قال أيزنهاور إنّ أميركا لا تقبل أن تحتفظ دولة بأراضٍ احتلتها بالقوة. كما وجّه تحذيراً مباشراً شديد اللهجة إلى “إسرائيل” بقوله: “إنّ الإخفاق في الانسحاب سيكون ضاراً بالمصلحة البعيدة المدى لـ “إسرائيل” نفسها، وإضافة إلى ما ستلحقه من أذى بالأمم المتحدة، فإنه سيعرّض للخطر فرص التوصل إلى حلّ سلمي لمشكلات الشرق الأوسط، وقد يؤدي ذلك إلى كوارث لا يمكن تقديرها بالنسبة لأصدقائنا بل بالنسبة لأمتنا نفسها”.
استناداً إلى الوثائق الأميركية كان خيار أيزنهاور في حال إصرار بن غوريون على عدم الانسحاب، فرض عقوبات متعددة الاتجاهات، تشمل دعم واشنطن قرار الأمم المتحدة لفرض عقوبات على “إسرائيل”، ووقف الامتيازات المتعلقة بالتبرعات الخاصة لها داخل الولايات المتحدة، وتقييد أو وقف بيع السندات الإسرائيلية في السوق الأميركية، وعزل “إسرائيل” دبلوماسياً داخل الأمم المتحدة، إذا ما استمرت في رفضها الانسحاب.
وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس، اعتبر وفقاً للوثائق الرسمية “أنّ الدولة التي تهاجم وتحتلّ أراضي أجنبية رغم اعتراض الأمم المتحدة، لا يمكن لها فرض شروطها للانسحاب”.
أمام ضغوط الرئيس أيزنهاور وموقفه الصلب والحازم من الاحتلال الإسرائيلي، أعلنت “إسرائيل” يوم 1 آذار/ مارس موافقتها على الانسحاب الذي اكتمل في سيناء وقطاع غزة في هذا الشهر وبعد أربعة أشهر من بدء العدوان.
للمرة الأولى في تاريخ العلاقات الأميركية ـ “الإسرائيلية”، استخدم الرئيس أيزنهاور نفوذه وصلاحياته، ليجبر “إسرائيل” ورئيس حكومتها بن غوريون على الانسحاب من أراضٍ احتلتها، مؤكداً الحفاظ على صدقية الأمم المتحدة، ومعارضته اكتساب الأراضي بالقوة، معتبراً “أنّ قبول استمرار الاحتلال سيشكل سابقة خطيرة تهدّد أسس النظام الدولي، وأنّ الولايات المتحدة لا تقبل ربط الانسحاب بشروط إسرائيلية مسبقة”.
لكن ماذا عن احتلال “إسرائيل” اليوم لأراضٍ لبنانية، ورفضها الانسحاب منها؟! هل يستعيد الرئيس ترامب الموقف الشجاع والحازم لأيزنهاور عندما وقف في وجه بن غوريون وأجبره على الانسحاب من مصر، ليستخدمه هذه المرة في وجه نتنياهو وزمرته العسكرية، الرافض للانسحاب، متحدياً الأمم المتحدة والمجتمع الدولي، وأيضاً دونالد ترامب، ليجبره على الانسحاب من لبنان؟! هل يستطيع ترامب أن يلزم نتنياهو باحترام القرارات الدولية ذات الصلة بالاحتلال “الإسرائيلي” كما استطاع أيزنهاور أن يلزم بن غوريون على الانسحاب؟! أيزنهاور وقف في وجه العدوان الإسرائيلي، ورفض الاحتلال، في حين ترامب وقف إلى جانب العدو في تل أبيب، وأيّده ودعمه، وبرّر كلّ اعتداءاته في لبنان، وسورية، والضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة، ووقف في وجه المعتدى عليه.
مفاوضات لبنان و”إسرائيل” ستبدي لنا مدى التزام ترامب بالقانون الدولي، واحترامه لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالاحتلال الإسرائيلي.
هل لدى الرئيس ترامب الشجاعة، وبُعد النظر، والحزم كالذي كان للرئيس أيزنهاور وهو يتصدّى لعدوان بن غوريون والاحتلال الإسرائيلي، أم أنه سيتجاوز المجتمع الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ليذهب بعيداً في دعمه لنتنياهو وللاحتلال الإسرائيلي، وإنْ كان ذلك على حساب حقوق الشعوب والقوانين الدولية، والأمم المتحدة.
ما أحوج لبنان وسورية والضفة الغربية وقطاع غزة إلى رئيس أميركي شجاع يضع حداً للاحتلال “الإسرائيلي” مثل ما فعل أيزنهاور يوماً وألزم بن غوريون على الانسحاب من مصر.
لبنان العالق بين ترامب ونتنياهو، والذي لم يتوصّل بعد أربع جولات من المفاوضات إلى وقف لإطلاق النار، فهل سيتوصل إلى انسحاب “إسرائيل” من أرضه دون الحصول على قرار حاسم من ترامب يفرضه على نتنياهو، كما فرض أيزنهاور يوماً قراره على بن غوريون!
هل يفعلها ترامب ولو لمرة واحدة أسوة بالرئيس أيزنهاور أم أنّ “دولة” إبستين العميقة لا تسمح له بذلك…؟!
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق
عن “البناء”


