في ذكرى ميلاد زياد الرحباني

بقلم// رفعت ابراهيم البدوي
صباح 26 من شهر تموز 2025، هزني خبر وفاة زياد الرحباني كما تهتز الطائرة حين تواجه مطباً هوائياً مفاجئاً.
عبثاً حاولت إستعادة توازني لكني رفضت إستيعاب خسارة زياد الرحباني الإنسان والفكر الموهوب بعبقرية الإبداع، خصوصا أن زياد يكاد يكون الوحيد بين الموسيقيين الذين استطاعوا رسم نوتة موسيقية ملهمة و فريدة من نوعها، شكّلت مدرسة فنية علّمتنا الإستماع الى محاكاة بين الآت موسيقية شرقية مع غربية وبتوزيع متقن تعزف ألحان حديثة قل نظيرها في العالمين العربي والغربي.
في صباح ذاك اليوم سافرت بمخيلتي بعيداً أراني أستعيد رحلة وعي زياد الرحباني السياسي والاجتماعي السابق لوعينا المتخلّف و بازمنة بعيدة، إضافة الى امتلاكه قدرة نادرة لاستشراف واستنباط تطور المستقبل الاجتماعي والسياسي، كيف لا وهو الذي تسابق مع الزمن ألمنطلق من رغبة صادقة في تحقيق ألقضايا العادلة لمجتمعنا.
لم ألتق بزياد الرحباني إلا مرتين، وفي إحداها توجهت إلى زياد بسؤال ما هو أكثر شيئ يزعجك حين يلتقي المعجبين بك، ولم يتأخر زياد الذي اختصر اجابته بكلمه واحده وبعفويته المعهودة حيث قال “الحشريه”، حينها انكفأت والتزمت الصمت خشية التسبب لزياد بالحشرية.
لكن زياد وبنباهته العالية أدرك فوراً أن جرس الخشية قد رنّ في ذهني، فما كان من زياد إلا أن بادر بالتقدم نحوي وهمس قائلاً:
مثلاً لما بيشوفك حدا المفروض يسألك عن عمل موسيقي معيّن او عن خلفية القصد من كلمات أغنية او سيناريو مسرحيه، لكن معظم من التقي بهم يبادرون الى الضحك وبدون سبب وهذا يشعرني بالإحباط، وكأن قضيانا الاجتماعية والدوله عنا في احسن حال ولا ينقصنا الا الضحك، في حين انا اتقصد دائما إظهار المشاكل التي تعيق تحقيق العدالة الاجتماعية، ولو باسلوب ساخر اعتقدت خاطئاً انه اسلوب يقود الى تنبيه الناس “من يللي ناطرنا”،، حينها تجرأت بسؤال زياد عن القصة التي ألهمته كتابة كلمات أغنيته “شو هالإيام يللي وصلنالا” خصوصاً انها الاكثر شيوعاً بين الجمهور
روى لي زياد انه في صباح يوم ممطر استقل سيارة خصصت له، لتوصيله الى المدرسة التي كان يكره الذهاب اليها، وحين هم السائق بالتحرك اقترب من زياد ولد بحالة عوز، وقف على نافذة السياره طلباً “للمصاري”، وقتها سرح زياد في رحلة تأمل ومقارنة انسانية متسائلاً اين العدالة من هذا، لماذا انا عندي سياره وسائق وغيري مشرد يطلب مصاري تحت المطر، ومن وحي هذا الموقف ولدت فكرة سكنت في ضمير زياد عبّر عنها بكلمات أغنية “شو هالايام يللي وصلنالا قال انو غني بيعطي فقير”
حينها ادركت كم ان زياد مرهف الاحساس مهووس بالعدالة الاجتماعية، وكم ان زياد معذّب ومتألم في داخله، تقصّد اظهار ألمه عبر الحان تغني كلمات هادفة تحكي طموح لتوزيع النِعَم بين الناس وتحاكي واقع الامس الذي ضاع منه الأمل وبغدٍ فاقد للأمل ترجمت عبر لحن “مهيره العلالي” وكأنه عزف لتصحيح مفاهيم واهداف المجتمع.
سردية زياد ترجمت بالحان ومسرحيات امتزجت فيها الموسيقى مع النقد البناء و باسلوب خاص، فكانت كالوميض الذي يضيئ عتمة الفكر والوعي المجتمعي، وكأنّ زياد دق ناقوس الخطر،أن اسمعوا وعوا وتفكروا في تدبير حالكم ومستقبلكم حوّلوا اهتمامكم للقضايا المصيرية، وتعاطوا معها بجدية من اجل تحقيق العدالة لاجيالكم، لكننا وبصراحة فقد غلبنا الغباء وخلطنا السخافة مع التهكم و لم نعِر الإهتمام اللازم بناقوس زياد، واكتفينا بافتعال الضحك وقلة التدبير.
للاسف لم نستوعب فكر زياد الثوري والانساني والاجتماعي المتقدم لاننا اختصرنا زياد بالمشهد الساخر، دون الانتباه الى ضرورة اصلاح فكرنا وتوجهاتنا، رغم ان مجمل نقاد المسرح وكل الفنانين و الملحنين العرب والغربيين أقرّوا بعبقرية و استشراف زياد الثاقب للمستقبل، وحتى كل من عمل مع زياد اتفق على تسميته “بالمعلّم” الذي لا يدركه احد بابداعه الموسيقي و المسرحي لان زياد الرحباني يصح فيه القول انه طائر في غير سربه.
باستثناء ألأم المكلومة الست فيروز والأخت الحزينة ريما الرحباني فإن احداً منا لم يستوعب فداحة و عمق خسارة المعلّم زياد الرحباني، الا غسان الياس الرحباني الذي أدرك عجز كبار علماء نوتة الموسيقى عن فك شيفرة حالة الوحي التي تتنزل على زياد حين يبدأ مغازلة البيانو، وحده غسان الياس الرحباني أحسّ و بصدق فداحة الخسارة لعبقرية المعلّم.
بين الوتر والكلمه والوحي رحلة مصالحة مع الذات عاشها زياد الرحباني على أمل الوصول الى دولة مدنية عابرة للطوائف والمذاهب يسودها عدالة اجتماعية، لكن زياد اصابته الخيبة من نظام طائفي ومن مجتمع أدمن ممارسة ابشع طقوس الطائفية و المذهبية المقيتة، مجتمع تعود الإستزلام تراه غير جدير بصون مستقبل الاجيال، مجتمع يضحك لأتفه الأسباب همّه التفخيم والمظاهر و جمع المال ولو عاش بلا كرامة ، مجتمع يتوق لزمن الإستعمار الأجنبي ، ويرفض حتى التشبث بالكرامة الوطنية والعدالة الإجتماعيه..
عاش زياد الرحباني و في داخله الم مكبوت، الم متفجّر بشظايا الخيبات اصابت اوتار وآلات موسيقية، تُرجمت تارة بالحان خالده وتارة عبر توزيع موسيقي متقن، ولو أنصتنا بعمق الى عمل زياد العبقري بعد اعادة توزيع لحن مسرحية “ميس الريم” لوجدنا ان زياد جمع بين الوحي والعبقرية،
ولو تعمقنا في معاني كلمات اغنية “راجعه باذن الله” لاكتشفنا ان زياد سكنته هالة نادرة من قراءة المستقبل واستشراف مكامن الخطر الداهم على البلد والمجتمع، وبتعبير اوضح وكأن زياد في تلك اللحظة قد فقد الأمل بغدٍ افضل بعدما ايقن ان الاسباب التي ادت الى الحرب و الإنقسام في بلدنا لم تزل قائمه وفاعله، وان مجتمعنا الطائفي قد اصيب بحالة عقم فكري وسياسي وثقافي ، وهكذا فقد زياد الأمل من اي عدالة او تغيير في تفكير المجتمع، مكتفياً بما قدمه من محاولات رافضاً التمديد لعبقريته المليئة بالاحداث والعِبَر..
في كل يوم تزداد الهوة بيننا وبين ادراك حقيقة ثورة العدالة التي سكنت زياد الرحباني الانسان والفكر، وفي كل يوم تتسع في الوجدان دائرة خسارة المعلّم العبقري، ومع بزوغ كل فجر وانبلاج كل صباح ومع كل غروب سيزداد لدينا الألم والخيبة، وستكبر فينا دائرة الندم، لاننا لم ندرك بعد مستوى العبقرية التي خسرناها، واستطيع القول انه لمن محاسن حظنا اننا عشنا في زمن المعلم زياد الرحباني.
زياد الرحباني في ذكرى ميلادك افتقدناك بالأمس ونفتقدك اليوم و سنفتقدك غداً و في كل يوم و على مدى الايام والاعوام، ولا شك بان الاجيال القادمه سوف تتمنى لو انها عاشت زمن المعلّم العبقري زياد الرحباني…


