مقالات

بين “نحنا و”هني”…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

حين يصبح الوطن خطَّيْن لا يلتقيان
في لحظةٍ ما، لم يعد الانقسام في لبنان مجرد اختلافٍ في الرأي، بل تحوّل إلى لغة يومية: نحنا وهني. كأنّ الوطن انشطر إلى ضميرين، لا يجتمعان في جملة واحدة، ولا يلتقيان في معنى.
“نحنا” ترى نفسها صاحبة القضية، حامية الكرامة، صاحبة الحق في القرار والسلاح، وفي رسم حدود المعركة والسلم. تعتبر أن الدولة مدينة لها، وأن إعادة الإعمار واجبٌ مفروض، لا نقاش فيه. في خطابها، تتداخل مفاهيم المقاومة مع الامتلاك، وتصبح التضحية رصيدًا يُصرف في السياسة، لا مجرد فعلٍ وطني.
في المقابل، “هني” ليست بالضرورة نقيضًا كاملاً، لكنها تقف في موقعٍ آخر: متعبة، مرهَقة، لا تريد الحرب، ولا تريد دفع ثمنها مرةً أخرى. تقول ببساطة: من قرّر، فليتحمّل. ترفض أن تُتَّهم بالخيانة لأنها تبحث عن تسوية، أو لأنها تريد دولة طبيعية لا تُختصر في معادلات السلاح.
بين الطرفين، ينكسر المنطق. فـ”نحنا” لا تعترف بحدود قدرتها، و”هني” لا تثق بأي نية للتغيير. الأولى تتهم الثانية بالاستسلام، والثانية ترى الأولى مغامِرة بمصير الجميع. وهنا يصبح الحوار مستحيلاً، لأن كل طرف لا يسمع إلا صدى نفسه.
الأخطر ليس في التباين، بل في العامودية. لم يعد الانقسام أفقيًا يمكن احتواؤه ضمن مؤسسات أو نقاشات، بل صار خطَّيْن متوازيين، لكل منهما عالمه، لغته، ومخاوفه. لا مساحة وسطى، ولا منطقة رمادية. إمّا أن تكون “معي”، أو أنت “ضدي”.
وفي هذا المشهد، تضيع الدولة. لا تعود مرجعية، بل تتحول إلى ساحة شدّ حبال: فريق يريدها أن تدفع وتغطي، وفريق يريدها أن تحمي وتمنع. لكنها في الحالتين، عاجزة، لأن القرار الحقيقي لم يعد فيها.
السؤال الذي لا يجرؤ أحد على طرحه بصدق: ماذا لو استمرّ هذا الخطّان بلا تقاطع؟
الجواب ليس نظريًا. يعني مزيدًا من التآكل، مزيدًا من الشلل، ومزيدًا من فقدان المعنى الوطني. فالوطن لا يُبنى بخطّين متوازيين، بل بلحظة التقاء، ولو كانت صعبة، ولو كانت مكلفة.
ربما المشكلة ليست في “نحنا” ولا في “هني”، بل في غياب “نحن” الجامعة. تلك التي لا تُلغي الخلاف، بل تنظّمه. ولا تُلغي السلاح فقط، بل تُخضعه لمنطق الدولة. ولا تُلغي الكرامة، بل تحميها من أن تتحول إلى ذريعة دائمة للصدام.
لبنان لا يحتاج إلى انتصار فريق على آخر، بل إلى كسر هذه الثنائية القاتلة.
لأن أخطر ما في “نحنا وهني”، أنها قد تنتهي… بلا لبنان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى