مقالات

خطاب الأمين: بين مشروع التنازل ومعادلة الحماية

بقلم// خضر رسلان

لم يكن كلام سماحه الامين العام لحزب الله الشيخ نعيم قاسم مجرّد خطاب عابر، بل إعادة رسمٍ صريح لخط التماس بين مشروعين: مشروع يرى في لبنان ساحةً مفتوحة للتنازل، وآخر يعتبره أرضاً تُحمى بالتضحيات لا بالمساومات.

منذ بداية المواجهة، راهن العدو على كسر الإرادة قبل كسر الميدان، ففشل. ليس لأن ميزان القوة التقليدي انقلب فجأة، بل لأن ما واجهه لم يكن مجرد قدرات عسكرية، بل منظومة متكاملة قوامها إيمان راسخ، وإرادة لا تُشترى، وقدرة تتراكم بعيداً عن ضجيج التقديرات. هذه الثلاثية هي التي صنعت الفارق، وهي التي أسقطت رهانات “النهاية السريعة” التي بشّر بها كثيرون.

في المقابل، لم يكن أداء السلطة أقل خطورة من عدوان الخارج. فحين يتحوّل التفاوض من أداة لحماية الحقوق إلى بابٍ للتنازل المجاني، يصبح عبئاً على البلد لا مخرجاً له. المشكلة هنا ليست في مبدأ التفاوض بحد ذاته، بل في شكله وسقفه والجهة التي تُديره. تفاوضٌ مباشر مع عدوٍ يواصل عدوانه ليس إلا اعترافاً ضمنياً بشروطه، وهو ما يضع لبنان في موقع المتلقي لا الشريك.

الأخطر من ذلك، هو أن بعض من في السلطة يتصرّف وكأنّ المشكلة ليست العدوان بل المقاومة، في قلبٍ فاضح للحقائق. وكأن المطلوب هو تجريد لبنان من عناصر قوته، ثم مطالبته بالدفاع عن نفسه ببيانات الشجب. هذا المنطق لا يحمي دولة، بل يعرّيها.

أما التدخل الأميركي، فلم يعد يحتاج إلى قراءة بين السطور. هو تدخل مباشر يرسم الإطار ويحدد السقف، ويترك للبعض مهمة التوقيع أو التبرير. وعندما تُطرح اتفاقات تُلزم لبنان بما لا يُلزم العدو، فذلك ليس اتفاقاً بل صيغة إذعان مغلّفة.

وسط هذا المشهد، يبرز جوهر المعادلة: الحل لا يبدأ من الطاولة بل من تثبيت الحق. أي مسار لا ينطلق من وقف العدوان، وانسحاب الاحتلال، وعودة الأهالي، وإطلاق الأسرى، وإعادة الإعمار، هو مسار ناقص أو مضلّل. لأن أصل المشكلة واضح: احتلال وعدوان، وما المقاومة إلا نتيجة طبيعية لهما، لا العكس.

الرهان الحقيقي اليوم ليس على تبدّل مواقف الخارج، بل على صلابة الداخل. وحدة الموقف ليست ترفاً سياسياً، بل شرط بقاء. وعندما تلتقي القوى الوطنية على قاعدة حماية البلد لا تقاسم الخسائر، يصبح ممكناً قلب المعادلة.

ما يُراد للبنانيين أن ينسوه هو أنّ هذا البلد لم يُحمَ يوماً بالحياد السلبي ولا بالرهانات الخارجية، بل بصمود أهله. وما يُراد للمقاومة أن تتخلى عنه هو سبب وجودها أساساً: الدفاع عن الأرض والكرامة.

لهذا، فإنّ أي حديث عن عودة إلى ما قبل اللحظة الراهنة هو وهم. لأن ما تغيّر ليس فقط في الميدان، بل في الوعي أيضاً. والمرحلة المقبلة لن تُدار بعقلية التسويات الهشة، بل بمنطق تثبيت الحقوق.

في النهاية، السؤال ليس: إلى أين تتجه الأمور؟
السؤال الأدق: على ماذا يراهن من يعتقد أن لبنان يمكن أن يُحكم بمنطق التنازل؟
التاريخ القريب يجيب: كل رهان من هذا النوع سقط… وسيسقط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى