لبنان على صفيحٍ ساخن… دعوة إلى الهدوء قبل فوات الأوان…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
ليس جديدًا على لبنان أن يقف عند حافة الهاوية، لكن الجديد والمقلق أن المسافة بين الحافة والسقوط باتت أقصر من أي وقت مضى. اليوم، تبدو البلاد وكأنها على صفيحٍ ساخن؛ الأرض تهتزّ سياسيًا وأمنيًا، والخطاب يتصاعد، والغضب الشعبي يتراكم، فيما الغليان يقترب من لحظة الانفجار.
في مثل هذه اللحظات، لا تُقاس الأوطان بارتفاع الصوت، بل بقدرتها على ضبطه. ولا تُحمى المجتمعات بالاندفاع، بل بالوعي. فالتاريخ القريب والبعيد يعلّمنا أن الشرارة حين تشتعل، لا تسأل عن هوية من تحرق، ولا تميّز بين رابح وخاسر. الجميع يدفع الثمن، والوطن أول الضحايا.
ما نشهده اليوم ليس مجرد خلاف سياسي عابر، ولا تباين في وجهات النظر، بل احتقان يتغذّى من خوفٍ مشروع، ومن فقدان الثقة، ومن شعور عام بأن الأرض تنزلق تحت أقدام الجميع. وهنا تحديدًا، تكمن الخطورة: حين يصبح الخوف وقودًا، والعاطفة بديلاً عن العقل، تتحوّل المجتمعات إلى ساحات مفتوحة لكل الاحتمالات.
من هنا، لا بد من وقفة صادقة.
دعوة صريحة إلى كل الأطراف، إلى القيادات، إلى النخب، وإلى الناس قبلهم جميعًا: خفّفوا حدّة الخطاب، أطفئوا نار التحريض، وامنحوا هذا البلد فرصة لالتقاط أنفاسه. فليس في لبنان فائض استقرار يمكن هدره، ولا قدرة له على تحمّل مغامرات جديدة.
الهدوء ليس ضعفًا، بل شجاعة.
والتعقّل ليس تراجعًا، بل مسؤولية.
أما الانزلاق إلى الفوضى، فليس بطولة، بل خسارة جماعية لا يمكن تعويضها.
نسأل أنفسنا بصدق:
لصالح من يُدفع لبنان نحو المزيد من التوتر؟
ومن يربح إذا اشتعل الداخل؟
وأيّ مستقبل يُبنى فوق ركام نزاع جديد؟
لقد دفع اللبنانيون أثمانًا باهظة في السابق، ولا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة والواقع. فهل نحتاج إلى تجربة أخرى لندرك أن العنف لا يصنع حلولًا، وأن الغلبة بالقوة لا تبني دولة؟
لبنان اليوم بحاجة إلى ما هو أبسط وأصعب في آنٍ واحد:
قليل من الهدوء… كثير من الحكمة… وقرار جماعي بعدم الانجرار.
ليس المطلوب إنكار الخلافات، ولا دفن الأزمات، بل إدارتها بعقل بارد وقلبٍ حريص. المطلوب أن نُبقي الخلاف في إطاره الطبيعي، دون أن يتحوّل إلى صراع مفتوح يهدد الجميع.
في لحظة كهذه، يصبح كل فرد مسؤولًا.
كلمة تُقال قد تُشعل، وأخرى قد تُطفئ.
موقف قد يدفع نحو التهدئة، وآخر قد يفتح أبواب المجهول.
لبنان جريح، نعم…
لكن الجراح، مهما عمُقت، يمكن أن تلتئم إذا توقّف النزف.
أما إذا استمرّ النزف، فلن يبقى ما يمكن إنقاذه.
فلنهدأ…
قبل أن يفرض علينا الواقع صمتًا لا يشبه السلام.



