أسياد الكلام وهندسة الوعي: كيف تتسلل انتخابات الكيان إلى شاشاتنا تحت ستار السبق الصحفي؟

بقلم// الدكتورة زينة الرافعي
في وطن عربي تحكمه ثوابت الصراع التاريخي مع الاحتلال الصهyوني، وتضبطه في بعض دوله قوانين صارمة تُجرّم أدنى أشكال التواصل مع العدو، يخوض الإعلام العربي واللبناني اختباراً أخلاقياً وسياسياً معقداً على خط تماسٍ حرج.
أين تنتهي المهنية وتغطية الحدث في فلسطين المحتلة ، وأين يبدأ التطبيع الناعم واختراق الوعي الجمعي؟
خلال كل مواسم الاقتراع داخل الكيان العنصري، تتسابق الفضائيات العربية واللبنانية على إفراد مساحات واسعة لنقل التفاصيل اللوجستية، وتفكيك التحالفات الحزبية، وتتبع حركة صناديق الاقتراع من يافا المحتلة إلى مستوطنات الشمال. هذا التهافت الإعلامي، وإن جرى تغليفه بدواعي “الفضول الصحفي” وشعار “اعرف عدوك”، يطرح علامات استفهام كبرى حول أثره الفعلي في هندسة وعي المشاهد واختراق خطوط الدفاع الفكرية لديه.
لا تقتصر هذه الظاهرة على شاشة بعينها، بل تتوزع الأدوار عبر خريطة الفضائيات العربية واللبنانية وفق أجنداتها وخلفياتها التحريرية.
شبكات الإعلام العربي الإخباري (كالجزيرة والعربية تنزلق في كثير من الأحيان نحو إضفاء طابع “الاحترافية المحايدة” التي تفصل الحدث السياسي عن جذوره الاحتلالية.
فبينما تركّز شبكة مثل «الجزيرة» على التفاصيل الدقيقة للصراعات الحزبية وتحليلات الشارع الصهyوني بداعي الإحاطة الشاملة بالعدو، تميل قنوات مثل «العربية» إلى تسليط الضوء على انعكاسات هذه الانتخابات على ملفات الاستقرار “الإقليمي” والاتفاقيات بأسلوب براغماتي. وفي الحالتين، يُعاد تقديم الكيان كفاعل سياسي طبيعي يُدار عبر “آليات ديمقراطية وتداول سلمي للسلطة”، مع تهميش طبيعته البنيوية كنظام احتلال غاضب دموي قائم على التهجير والإبادة الجماعية.
الشاشات اللبنانية المحلية (كالجديد، LBCI، وMTV) تتفاوت بين محاولات لربط الاستحقاق “الإسرائيلي” بالداخل اللبناني تحت عناوين مثل “الانتخابات الإسرائيلية وصيف الجنوب” بأسلوب استعراضي بحثاً عن الإثارة، وبين الترويج لمنطق “نزع العقائدية”.
إن التركيز المفرط على ملفات “ترسيم الحدود” و”الحسابات الاقتصادية” يكرّس فكرة مفادها أن سلوك الكيان مجرد متغير سياسي يتأثر بتبدّل الأشخاص والحكام، وليس عقيدة احتلالية استيطانية ثابتة.
فمع تدفق وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الرقمية الحديثة، تضاعفت المخاطر مع بروز اتهامات لمنصات إعلامية عربية ولبنانية بالتساوق التحريري واستضافة محتوى يتم إنتاجه بالتنسيق مع شبكات العدو الموجهة بداخله الوطن العربي (مثل قناة i24News)، وهو ما ينقل المشهد من مجرد “تغطية خبرية” إلى مسار تطبيعي مباشر يتجاوز الخطوط الحمراء.
إن خطورة الاختراق اللغوي في التفريغ التدريجي للمفاهيم تكمن الإشكالية الأعمق في طبيعة المصطلحات المتسربة إلى النشرات والتقارير الميدانية، حيث يُفرَغ القاموس السياسي من دلالاته التاريخية.
فلنأخذ مثلا تليين المصطلحات، حيث يُستبدل مصطلح “المستوطنة” بعبارات مطاطة مثل “البلدة”، “المدينة الشمالية”، أو “التجمع السكاني”، بما يُميت فعل السلب والاحتلال والاغتصاب في ذهن المتابِع.
وكذلك شيطنة أو تدنيس البدائل، حيث يُحوَّل “كيان الاحتلال” إلى “دولة جوار”، وتُقدَّم الصراعات داخل الكنيست وكأنها “منافسة حرة في بلد اعتيادي”، مما يمنح هذا الكيان شرعية أخلاقية ووجودية مجانية.
وهنا يكتمل فخ “التطبيع الناعم”.
التطبيع الإعلامي الناعم لا يحتاج إلى رفع أعلام أو توقيع معاهدات، بل يعتمد استراتيجية “النخر الهادئ” للذاكرة عبر أدوات متدرجة تبدأ بسياسة التأقلم والترويض. فإن تحويل تفاصيل الكنيست والتحالفات الصهيونية إلى خبر يومي مألوف يضعف حس الرفض والعدائية في الوعي الجمعي.
بالإضافة الى اتباع اسلوب تسويق “واحة الديمقراطية” عند تسليط الضوء على نسب المشاركة والمناظرات السياسية، مقابل إغفال تعمدي لواقع الفصل العنصري والجرائم والإبادة الممنهجة ضد الشعب الفلسطيني.
رهن الانتخابات بالمصير العربي، كترسيخ مقولة مفادها أن الاستقرار الإقليمي، والحروب، والازدهار الاقتصادي في الدول المجاورة ليست سوى رهائن لما تسفره صناديق الاقتراع في يافا المحتلة “تل أبيب”.
وهنا، يبقى السؤال المصيري مطروحاً على طاولات التحرير وفي أروقة القنوات العربية واللبنانية: هل غاب الحد الفاصل بين «معرفة العدو» وبين «الترويج له» إلى هذا الحد؟
ان كانت هذه القنوات لا تدري فتلكَ مصيبةٌ.. أو كانت تدري فالمصيبةُ أعظمُ.
إن تحويل صراعات الكيان إلى استعراضٍ إخباريّ يومي بديكوراتٍ براقة ولغةٍ مُطهّرة ليس حياداً ولا مهنية، بل هو تواطؤٌ ناعم مع محو الذاكرة. فالتطبيع لا يحتاج إلى سفارات تُفتح أو معاهدات تُوقّع، بل يبدأ حين تتربص العين لتعتاد المشهد، وتستسيغ الأذن المصطلح البديل.
وحين تتسابق الفضائيات لنقل “ديمقراطية المحتل” تحت ستار الحرية والسبق الصحفي، فإنها لا تنقل الحدث بل تصنعه في الوعي الجمعي. إن خيانة اللغة هي أولى خطوات السقوط، وإن صحافة بلا بوصلة أخلاقية ليست سوى مكبر صوتٍ لرواية العدو. وحين تُسقط الشاشات خطوط دفاعها اللغوية أمام شاشات التزييف، فمن يضمن ألا تُسقط الشعوب خطوط دفاعها الوجودية؟



