الإنتشار اللبناني

الرفاعي: لا يجوز أن يتحول الصبر المطلوب من الناس إلى ستار يُحجب خلفه الفساد وسوء الإدارة وغياب المحاسبة

قال مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي إنّ “الإيمان ليس كلمةً تُقال في أوقات الرخاء، ولا شعورًا عابرًا يملأ القلب حين تستقيم الأحوال؛ إنما الإيمانُ حقيقةٌ راسخة تظهر معادنُها عند الشدائد، وتنكشف قوّتُها حين تتعارض المبادئ مع المصالح، ويصبح الثبات على الحق مكلفًا. فالإيمان الصادق لا يُلغي الألم، ولكنه يمنح صاحبه ما يتجاوز به الألم، ولا يمنع الابتلاء، ولكنه يفتح في قلبه أبواب الصبر والرجاء”.

وتابع في خطبة الجمعة: “كانت سميّة بنت خياط رضي الله عنها أول شهيدة في الإسلام، قدّمت بدمها شاهدًا على أن المرأة شريكة في صناعة التاريخ وصيانة العقيدة، وليست على هامشه. وإلى جانبها صبر زوجها ياسر رضي الله عنه، وابتُلي ابنهما عمار بما لا تطيقه النفوس. فكان هذا البيت مدرسةً في الثبات، يعلّمنا أن الأسرة الصالحة لا تُبنى على المصالح وحدها، بل على قيم تتواصى بها، وحق تتعاون على حمله، وصبر تتساند في أوقاته”.

وأشار إلى أنّ “قصة آل ياسر تضعنا أمام سؤال يتجاوز التاريخ: ماذا يحدث حين تتحول القوة إلى أداة للقهر، وتصبح المصالح مقدّمةً على العدالة؟ لقد كان المستضعفون في مكة بلا نفوذ يحميهم، لكنهم امتلكوا حقًّا لم تمنحهم إياه السلطة، ولم تستطع انتزاعه منهم. فليس كل ما تفرضه القوة عدلًا، وليس كل من عجز عن دفع الظلم فاقدًا للكرامة؛ وقد تكون كلمة الحق التي يقولها الضعيف أشرف من قرارات يصدرها الأقوياء”.

وقال: “في فلسطين وغزة، حيث القتل والتهجير والدمار، يُمتحن العالم في صدقية حديثه عن الحُرّية وحقوق الإنسان. فالعدالة لا تتجزأ بحسب هوية الضحية، وكرامة الإنسان لا تسقط باختلاف دينه أو قوميته، والقانون الذي يُطبَّق على الضعيف ويُعطَّل أمام القوي يفقد معناه الأخلاقي. إن نصرة المظلوم تقتضي وقف العدوان، وحماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ورفض ازدواجية المعايير التي تجعل بعض الدماء جديرةً بالاهتمام، وبعضها الآخر هامشًا في نشرات الأخبار”.

وأضاف: “أما لبنان، فيعيش أبناؤه تحت وطأة الغلاء المتصاعد والأسعار المرتفعة، وكلفة المحروقات التي تستنزف مدخول العائلات وتثقل كاهل العمال والمزارعين والموظفين. وقد بات تأمين الحاجات الأساسية عبئًا يوميًا على كثير من الناس، في ظل تراجع قدرتهم الشرائية واتساع دائرة العوز”.

وأكد أنه “لا يجوز أن يتحول الصبر المطلوب من الناس إلى ستار يُحجب خلفه الفساد وسوء الإدارة وغياب المحاسبة. فكيف يُطلب من المواطن تحمّل مزيد من الأعباء فيما تتعطل الإصلاحات وتُهدر الموارد؟ إن الإيمان لا يعني التعايش مع الحرمان، بل يقتضي مواجهة الفساد وتحميل المسؤولين مسؤولياتهم، وجعل كرامة الناس وأمنهم المعيشي أولويةً لا شعارًا موسميًّا”.

واعتبر أنّ “في أذربيجان، تثير القيود التي تواجه بعض الطالبات والمعلمات المحجّبات في المدارس، في ظل تطبيق قواعد الزي المدرسي، سؤالًا جوهريًّا عن العلاقة بين سلطة الدولة والحريات الدينية؛ فتنظيم الزي لا ينبغي أن يتحول إلى إقصاء يحرم فتاةً من التعليم بسبب حجابها، ولا أن يجعل التزامها الديني سببًا لتهميشها”.

واستطرد: “لنتأمل فرنسا، التي تواجه تحديات في إدارة دينها العام وعجز موازناتها؛ فحين يتوسع الاقتراض وتتراكم الالتزامات، تصبح أعباء الديون قيدًا على الخيارات الاقتصادية للأجيال المقبلة. ولا يجوز اختزال أزمات الدول في سبب واحد، لكن التجربة تذكّرنا بخطورة اتخاذ الاقتراض بديلًا دائمًا عن الإصلاح والإنتاج وضبط الإنفاق”.

وأوضح بأن “القرآن حذّر من الرِّبا بقوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: 276]. فالرؤية الإسلامية للاقتصاد لا تفصل المال عن العدالة، ولا تقيس النجاح بحجم الثروة وحده، بل بقدرة النظام الاقتصادي على حماية الإنسان من الاستغلال، وتحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وصيانة الأجيال المقبلة من أعباء لا ذنب لها فيها”.

ورأى أن “التحولات الديموغرافية في فرنسا، ومنها تراجع المواليد وارتفاع أعباء الشيخوخة، تكشف عن تحدٍّ يواجه المجتمعات الحديثة: كيف تحافظ على توازنها حين يقلّ عدد الأجيال الجديدة وتتزايد مسؤوليات رعاية كبار السن؟ فالمسألة ليست أرقامًا سكانية فحسب، بل تتصل بمستقبل الأسرة وسوق العمل واستمرار التضامن بين الأجيال”.

وقال: “لا يصح ردّ تراجع الإنجاب إلى سبب واحد؛ إذ تتداخل فيه تكاليف المعيشة والسكن والعمل والقلق من المستقبل وتغيّر أنماط الحياة. وهنا تبرز قيمة الأسرة في التصور الإسلامي، بوصفها رابطةً للمودّة والتكافل واستمرار الأجيال؛ قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ﴾ [الإسراء: 31]. فالمجتمع يحتاج إلى سياسات تُسند الأسرة، وثقافة تمنح الحياة والأبناء معنى وأملًا”.

واختتم الرفاعي: “اللهم ثبّت قلوبنا على الحق، وفرّج عن أهل فلسطين ولبنان، وارحم شهداءنا، واشف جرحانا، وارفع الظلم عن المظلومين، وأصلح أحوال بلادنا”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى