مقالات

هل كانت جلسة محاسبة فعلًا أم مجرد مشهد سياسي انتهى بنتيجة مختلفة عن ضجيج الجلسة؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

جلسة محاسبة أم مسرحية؟
ما شاهدناه أمس واليوم خلال جلسة محاسبة مجلس الوزراء يصعب اعتباره محاسبة بالمعنى الحقيقي للكلمة.
كل هذا الصراخ، والتوتر، ورفع الصوت، والاتهامات، انتهى في نهاية المطاف إلى تصويت نالت فيه الحكومة 68 صوتًا من أصل 125 نائبًا؛ أي أكثر بثلاثة أصوات فقط من نصف عدد النواب الذين شاركوا في التصويت.
لكن السؤال الأهم: أين ذهب باقي النواب؟
12 نائبًا حجبوا الثقة، ونائبان امتنعا عن التصويت، فيما لم يصوّت عدد من النواب أصلًا.
المفارقة أن الاستماع إلى بعض المداخلات كان يوحي بأننا أمام معركة سياسية ستقلب الطاولة، وأن أنصار أصحاب هذه المواقف قد بدأوا بتجهيز المدافع استعدادًا للمعركة الكبرى.
لكن شيئًا آخر حدث عند التصويت.
الصراخ شيء، ورفع اليد شيء آخر.
وهنا تحديدًا تكمن المشكلة.
كيف لمن يفترض أن يكون ممثلًا للشعب، وأن يكون في موقع القدوة والمسؤولية، أن يظهر أمام اللبنانيين بهذه الصورة؟ سباب، شتائم، استفزاز، تحدٍّ، وتوتر يصل أحيانًا إلى حدود يصعب معها تصديق أننا نشاهد جلسة لمجلس نيابي يفترض أنه يمارس إحدى أهم وظائفه الدستورية: مراقبة السلطة التنفيذية ومحاسبتها.
وطبعًا، هذا الكلام لا ينطبق على جمهورية الموز… فهناك على الأقل يفترض أن نحافظ على بعض مظاهر الجدية!
المشكلة ليست في ارتفاع الصوت بحد ذاته، ولا في اختلاف المواقف السياسية. الاختلاف حق، والمعارضة حق، والانتقاد حق، بل إن المحاسبة الحقيقية لا يمكن أن تكون بلا معارضة ومساءلة.
لكن المحاسبة لا تُقاس بعدد الشتائم، ولا بدرجة ارتفاع الصوت، ولا بعدد المرات التي يضرب فيها النائب على الطاولة.
المحاسبة موقف ومسؤولية وتصويت.
وما لا يقبل الشك أن الفارق بين ما قيل على منبر المجلس وما حدث عند لحظة التصويت يطرح سؤالًا أكبر من جلسة الأمس واليوم:
هل ما زال النائب يتخذ قراره بحرية، وفق قناعته ومسؤوليته أمام الناس الذين انتخبوه، أم أن هناك في مكان ما “تعليمة” تنتظر لحظة التصويت؟
لا أقول إن جميع النواب كذلك، ولا يصح التعميم. لكن عندما يصبح الفارق شاسعًا بين الخطاب الناري والموقف عند التصويت، يصبح من حق المواطن أن يسأل:
هل كان ما شاهدناه محاسبة فعلية للحكومة، أم كان مجرد مسرحية سياسية انتهت عندما حان موعد رفع الأيدي؟
فالناس لا تحتاج إلى نواب يجيدون الصراخ.
الناس تحتاج إلى نواب يجيدون اتخاذ القرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى