كلام الليل يمحوه النهار… أين الرؤيوي؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
“كلام الليل يمحوه النهار”… هكذا يبدو حال بعض القرارات في هذه الجمهورية.
لا أعرف أين المستشار الرؤيوي، وأين الملمّ فعلًا بالمركز والوظيفة التي أُسندت إليه؟ أين صاحب الرؤية؟ أين الاستراتيجي؟ أين المفكر؟ أين بعيد النظر؟ وأين من يفترض أن يقرأ المشهد قبل أن تُتخذ القرارات، لا أن يشرح لنا أسباب الخطأ بعد وقوعه؟
نحن، بكل صراحة، نعيش في مزرعة جمهورية موز؛ وربما في دولة عميقة أيضًا، لأن المواطن لم يعد يعرف ماذا يُقال له، وماذا يُخفى عنه، وما الذي يُقرَّر فعلًا، ومن يقرر، ومن ينصح، ومن يتحمل مسؤولية القرار.
هل يعقل أن تتخذ حكومة قرارًا من دون أن تكون قد درست كل تفاصيله، وحسبت نتائجه، وتوقعت ردود الفعل عليه؟
خذوا مثلًا الموازنة، والتوقيع على إعطاء العسكريين حقوقهم ثم التنصل منه، وعدم إدراج حقوق القطاع العام والعسكريين، وقانون العفو العام، وصولًا إلى البدعة الأخيرة: فرض رسوم وضرائب على ألواح الطاقة الشمسية، أي فرض ضريبة على هبة الله الشمس!
أي عقل إداري هذا؟
قبل إصدار أي قرار، أليس من الطبيعي أن تسأل الحكومة: ماذا سيترتب عليه؟ من سيتضرر؟ من سيعترض؟ هل يتعارض مع قانون أو اتفاقية أو حق من حقوق الناس؟ وما هي نتائجه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية؟ وهل توجد بدائل أفضل؟
القاضي نبيل صاري اعتبر أن محاولات فرض رسوم على ألواح الطاقة الشمسية تشكل خرقًا فاضحًا للمواثيق الدولية والقوانين اللبنانية، مشيرًا إلى أن تأمين وتنظيم خدمة الكهرباء يرتبط بحقوق الإنسان الأساسية، وأن المواطن الذي اضطر إلى تركيب الطاقة الشمسية من ماله الخاص فعل ذلك نتيجة عجز الدولة عن تأمين الحد الأدنى من الكهرباء.
وهنا السؤال البديهي: هل درست الحكومة كل هذه الجوانب قبل أن تطرح الفكرة؟
أم أننا كالعادة نقرر أولًا، ثم نبحث عن مبررات القرار، ثم نكتشف أن الناس اعترضت، فنعود ونقول: لم نقصد، أو سندرس الموضوع، أو سنعيد النظر؟
لماذا نقرر ونتراجع؟
والأغرب أن المسألة لا تتوقف عند القرارات الحكومية.
لدينا اليوم أيضًا ما أُعلن عن الهيئة الناظمة للاتصالات. أعضاء الهيئة الذين تم اختيارهم، وفق ما قيل، على أساس الكفاءة والاختصاص، أطلقوا في أولى مهامهم مناقصة للاستعانة بشركة استشارية للقيام بالمهام الموكلة إليهم.
وهنا يبرز السؤال الذي لا يحتاج إلى مستشار ولا إلى خبير استراتيجي:
إذا كانت الهيئة تحتاج إلى شركة استشارية لتقوم بالمهام التي أُنشئت الهيئة أصلًا للقيام بها، فما الحاجة إلى الهيئة؟
وإذا كان الأمر يتعلق بمساعدة تقنية أو استشارية محددة، فهذا مفهوم في أي مؤسسة. لكن إذا أصبحت الاستعانة بالاستشاري بديلًا عن أداء المهمة الأساسية، فالسؤال يصبح مشروعًا:
هل عجزت الهيئة عن القيام بمهامها؟ وإذا كان الأمر كذلك، فعدا عن رواتب الأعضاء، من سيدفع تكلفة هذا العجز؟
وهنا نصل إلى أصل المشكلة.
المشكلة ليست في قرار واحد، ولا في ضريبة واحدة، ولا في هيئة واحدة.
المشكلة في منهجية اتخاذ القرار.
الدولة الحديثة لا تُدار بردود الفعل. الدولة تُدار بالتخطيط والاستشراف ودراسة الاحتمالات وقراءة النتائج قبل وقوعها.
المستشار الحقيقي ليس من يقول للمسؤول: “نعم، سيدي. حسنا كما تريد.
المستشار الحقيقي هو الذي يمتلك الجرأة ليقول له: “لا، هذا القرار خطأ”، ويشرح له لماذا، وما الذي سيحدث إذا اتُّخذ، وما البديل الأفضل.
المستشار الحقيقي يرى الحائط قبل أن ترتطم به السيارة.
أما أن نتخذ القرار، ثم ننتظر الشارع، ثم نراقب الإعلام، ثم نسمع اعتراض الناس، ثم نكتشف أن هناك قانونًا أو اتفاقية أو تداعيات اقتصادية أو اجتماعية، ثم نبدأ بالتراجع والتوضيح والتبرير…
فهذه ليست إدارة دولة.
هذه إدارة أزمات من صنع أيدينا.
فأين الرؤيوي؟
أين الاستراتيجي؟
أين المفكر؟
أين صاحب الرؤية؟
أين بعيد النظر؟
وينن كلّن؟
أليس في هذه الدولة مستشار واحد يملك الجرأة على التصدي للخطأ قبل وقوعه؟
أليس هناك من يقول: تمهلوا، ادرسوا، احسبوا، توقعوا، ثم قرروا؟
أم أن وظيفة المستشار أصبحت أن يأتي بعد صدور القرار ليجد له مخرجًا؟
نحن لا نريد مسؤولين يعرفون كيف يتراجعون عن الخطأ بعد انفجار الشارع.
نريد مسؤولين ومستشارين يمنعون الخطأ قبل أن يصل إلى الشارع.
لأن الدولة التي تقرر ثم تتراجع، وتفرض ثم تلغي، وتعد ثم تتنصل، وتطلق قانونًا ثم تبحث عن تداعياته، لا تعاني فقط من مشكلة قرارات.
إنها تعاني من أزمة رؤية.
والأخطر من غياب الرؤية هو أن لا أحد يعترف بغيابها.
فإلى متى؟
من المسؤول عنا؟ ومن يدرس القرارات قبل أن تُتخذ؟ ومن يحاسب من يخطئ في تقدير نتائجها؟
أم أن علينا، في كل مرة، أن ننتظر حتى يمحُو النهار كلام الليل؟
لبنان لا يحتاج إلى من يشرح له الخطأ بعد وقوعه… لبنان يحتاج إلى من يمنع وقوع الخطأ أصلًا.


