يا سادة… إن كان في قلوبكم ذرة إنسانية

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
نختلف في السياسة، ونختلف في الرأي، ونختلف على كل شيء… لكن على الجيش وحده نتفق. فهو المؤسسة التي تقف على المسافة نفسها من الجميع، وتحب الجميع بلا تمييز، فيما يحبه كثيرون وفق مصالحهم وحساباتهم.
كيف يمكن لموظف يتقاضى 380 دولارًا شهريًا أن يطعم عائلته، فيما هذا المبلغ بالكاد يكفي ليؤمّن طعامه هو؟ وكيف لجندي يمضي معظم وقته بعيدًا عن منزله، يواجه الأخطار، ويحرس الحدود، ويقف تحت الشمس الحارقة وفي البرد والمطر، أن يعيش براتب لا يتجاوز 400 دولار؟
قبل أن تضعوا الأرقام على الورق، جرّبوا أن تعيشوا شهرًا واحدًا بهذا الراتب. اجلسوا مكان هذا الجندي أو ذلك الموظف، وعيشوا تفاصيل يومهما، ثم أخبرونا: هل يمكن لإنسان أن يحيا بكرامة؟
من لا يشعر بوجع الناس، لا يستطيع أن يحكم باسمهم. ومن لا يسمع صرخة الجائع، لا يحق له أن يتحدث عن العدالة والإنصاف. فالرواتب ليست أرقامًا في الموازنات، بل حياة عائلات، وكرامة مواطنين، ومستقبل وطن.
واليوم، في عيد الجيش، ستكثر الخطب والبيانات، وستفيض كلمات المديح والثناء. لكن الجيش يعرف جيدًا أن كثيرًا من هذه الكلمات ليست سوى احتفال بالمناسبة. فمن يحرم العسكري من أبسط حقوقه طوال السنة، ثم يتغنى بتضحياته في الأول من آب، لا يحب الجيش بقدر ما يجيد ركوب الموجة.
ومن يقسّط للعسكري حقه على أشهر وسنوات، فيما يتقاضى هو كامل حقوقه وامتيازاته من دون تأخير، لا يستطيع أن يقنع أحدًا بأنه ينصف من يحرس الوطن.
يا جيشنا… لقد ربّيت أبناءك على الشرف والتضحية والوفاء، وما زالت الغالبية الساحقة منهم تحمل هذه القيم، وتدفع ثمنها من صحتها وأعمارها، وأحيانًا من دمها.
كم أنت عظيم في عطائك، حتى إنك تقدّم الشهادة مجانًا للوطن. أما عائلات الشهداء والعسكريين، فتنتظر حقوقًا هي ليست منّة من أحد، بل حق طبيعي لمن قدّم أغلى ما يملك. ينتظرون أمام ضيق الحياة، وأمام قسوة الظروف، فيما المسؤولون يكتفون بالتصفيق والخطب.
ليست هذه رؤية سوداوية، بل نقلٌ أمين لواقع يعيشه العسكري والموظف الشريف كل يوم.
كل عيد وطن، وأنت وطني.
كل عيد، وجيشنا اللبناني بألف خير.
وعسى أن يأتي يوم نراك فيه حاضرًا في ضمير المسؤولين كما أنت حاضر دائمًا في ساحات الواجب، وأن يجد من يحمل السلاح دفاعًا عن الوطن من يحمل عنه بعضًا من أعباء الحياة.
ففي ميزان الشرف، قد تساوي تضحية جندي واحد وطنًا بأكمله… أما الكلمات، فلا قيمة لها إن لم تتحول إلى عدالة وكرامة وحقوق.


