إلى المعترضين على خيار التفاوض …

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
بغضّ النظر عمّا إذا كان سيؤدي ذلك إلى النتيجة المرجوّة أم لا، يبقى من واجبنا أن ندعم أي فرصة قد تُجنّب لبنان مزيدًا من المآسي، وأن ننتظر النتائج قبل إطلاق الأحكام. فمن انتظر أربعين عامًا خيار السلاح، رغم ما خلّفه من خسائر بشرية ومادية واقتصادية، لا يمكنه أن يرفض إعطاء فرصة لمسارٍ آخر، ولو من باب الاختبار.
واقع لبنان اليوم مؤلم. فمعظم الشباب اللبناني الذين حالفهم الحظ يعملون خارج الوطن، وتحويلاتهم أصبحت أحد أعمدة صمود الاقتصاد. أما من لم يُكتب له السفر، فكثيرون منهم يعانون البطالة وانعدام الفرص، نتيجة الحروب المتكررة، وسياسات الإسناد، والولاءات التي تجاوزت حدود الوطن، حيث قُدّمت مصالح الخارج على مصلحة لبنان.
من هنا، أخشى أن يكون الحلم الذي حمله الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك قد بقي حاضرًا في الخطاب أكثر مما هو حاضرًا في الواقع. فطالما بقيت لغة التهديد، والرؤوس الحامية، والسلاح خارج إطار الدولة، يبقى الأمل بقيام دولةٍ سيدة على كامل مساحة 10,452 كيلومترًا مربعًا يتراجع يومًا بعد يوم.
وعندما يصل الأمر بأحدهم إلى القول: “فليأخذوا الجنوب”، فإنها ليست عبارة عابرة، بل مؤشر خطير على حجم التراجع في مفهوم الوطن الواحد. والأخطر من ذلك أنها صدرت عن أحد المنتمين إلى محور الممانعة، وهو من المعنيين مباشرةً بشعار المقاومة والدفاع عن الأرض.
وعندما يصدر مثل هذا الكلام ممن رفع راية حماية كل شبر من الوطن، فإن الأمر لا يعود مجرد رأي شخصي، بل يطرح سؤالًا مؤلمًا: كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها التنازل عن جزء من الأرض احتمالًا يُقال على الملأ؟ هنا تسقط الأقنعة، وتتراجع الشعارات أمام قسوة الواقع.
وعندها تصبح النتيجة أقرب إلى لحظة إعلانها، ويغدو الخوف مشروعًا من أن يتبدد حلم الطوباوي البطريرك إلياس الحويّك، وحلم الرئيس الشهيد بشير الجميل، وحلم الرئيس ميشال عون، أطال الله بعمره، وكل رئيس ورجل دولة عمل من أجل بقاء لبنان موحدًا على مساحة 10,452 كيلومترًا مربعًا.
كما يحضر في الذاكرة أيضًا إعلان بعبدا، الصادر في 11 حزيران 2012 برعاية رئيس الجمهورية آنذاك الرئيس ميشال سليمان، أطال الله بعمره، والذي شكّل محاولة وطنية لتحييد لبنان عن صراعات المحاور، وترسيخ سيادة الدولة، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها الشرعية. إلا أنه، للأسف، لم يُمنح الفرصة ليُترجم إلى واقع، فضاعت معه فرصة ثمينة كان يمكن أن تُجنّب لبنان كثيرًا من الانقسامات والأزمات التي ما زالت تدفع البلاد ثمنها حتى اليوم.
إن التفاوض ليس استسلامًا، كما أن رفضه ليس بطولة بحد ذاته. فالقوة الحقيقية ليست في إطالة أمد الصراعات، بل في القدرة على حماية الوطن والإنسان معًا. وإذا كانت حصيلة أربعين عامًا من تغليب خيار السلاح هي ما وصل إليه لبنان من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية، فمن الإنصاف أن يُمنح خيار التفاوض فرصة أيضًا، ثم يُحكم عليه بنتائجه لا بالأحكام المسبقة.
فالغاية ليست التفاوض لذاته، بل الوصول إلى تثبيت سيادة لبنان، وحماية أرضه، وصون كرامة شعبه، وإعادة القرار الوطني إلى مؤسسات الدولة وحدها.
لقد جرّب لبنان منطق السلاح طويلًا، وآن الأوان أن يجرّب منطق الدولة. فإن نجح التفاوض ربح لبنان، وإن فشل يكون قد استنفد كل الوسائل السياسية المشروعة. أما أن نرفض الحوار قبل أن يبدأ، فذلك يعني أن نحكم على وطنٍ كامل بأن يبقى أسير الحلقة نفسها التي أنهكته لعقود.
فالأوطان لا تحفظها الشعارات، ولا تصونها الولاءات العابرة للحدود، بل تحفظها دولة قوية، وجيش واحد، ودستور واحد، وقرار وطني واحد. وحدها الدولة القادرة على حماية جميع أبنائها، وصون سيادتها، والحفاظ على كامل ترابها الوطني. ويبقى الأمل أن ينتصر منطق الدولة على منطق المحاور، وأن يكون ولاء اللبنانيين جميعًا للبنان أولًا وأخيرًا، ليبقى وطن الأرز سيدًا حرًا مستقلًا، على كامل مساحة 10,452 كيلومترًا مربعًا.



