مقالات

بين نقل الحدث وقراءة ما خلفه: الفرق بين الصحافي والكاتب

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد 

في عالمٍ يمتلئ بالأحداث المتسارعة، يصبح الإنسان بحاجة إلى من يخبره بما جرى، لكنه يحتاج أيضًا إلى من يساعده على فهم لماذا جرى. هنا يظهر الفرق بين مهمة الصحافي ومهمة الكاتب؛ فالأول يمسك بالحدث كما وقع، أما الثاني فيحاول أن يغوص في أعماقه، يبحث عن جذوره، وظلاله، والإنسان المختبئ خلفه.

الصحافي، في جوهر عمله، هو شاهد أمين على اللحظة. يسأل: ماذا حدث؟ أين؟ متى؟ من هم أطرافه؟ وكيف يمكن نقل الحقيقة بأكبر قدر من الدقة؟ قوته في التوثيق، في جمع المعلومات، وفي حماية الوقائع من التشويه أو المبالغة. إنه يحاول أن يمنع الحدث من الضياع أو التحريف.

أما الكاتب، فمهمته تبدأ غالبًا بعد انتهاء الخبر. لا يكتفي بأن يرى النار، بل يسأل: من أشعلها؟ ولماذا اشتعلت؟ وما الذي كان يتراكم تحت الرماد قبل اندلاعها؟

الكاتب لا يبحث فقط عن الحدث، بل عن الإنسان الذي صنع الحدث وتأثر به. فهو يقرأ الخوف خلف الغضب، والمصلحة خلف بعض القرارات، والجرح القديم خلف بعض التصرفات، والصراع الداخلي خلف الكلمات والمواقف.
فالخبر يقول: حدث خلاف بين شخصين.

أما الكاتب فيسأل: ما الذي جعل الخلاف ممكنًا؟ هل هو اختلاف حقيقي؟ أم تراكم صامت؟ أم رغبة في السيطرة؟ أم جرح لم يجد طريقه إلى الكلام؟

الصحافي ينقل الصورة، والكاتب يحاول أن يفهم ما وراء الصورة.

لكن هذا لا يعني أن الكاتب يملك دائمًا الحقيقة الكاملة؛ فهناك خطر أن يتحول التحليل إلى حكم، أو أن تتحول الرؤية الشخصية إلى فرض على القارئ. لذلك يحتاج الكاتب الحقيقي إلى فضيلة أساسية: الشك الجميل. أن يقترب من الحقيقة دون أن يدّعي امتلاكها كاملة.

فالناس لا يعيشون الأحداث فقط، بل يعيشون أسبابها الخفية. قد يبتسم شخص وهو يحمل ألمًا، وقد يهاجم آخر وهو يخفي خوفًا، وقد يخون أحدهم لا لأن الآخر لم يستحق الوفاء، بل لأن داخله لم يكن قادرًا على حفظ الجميل.

ومن هنا تأتي أهمية الكتابة التي تتجاوز السطح. فالكاتب لا يكتفي بوصف سقوط الإنسان، بل يحاول فهم الطريق الذي أوصله إلى السقوط. لا يبرر الخطأ، لكنه يبحث عن جذوره.

الصحافي يسجل اللحظة التي تحرك فيها الحجر وسقط في الماء، أما الكاتب فيراقب الدوائر التي صنعها السقوط، ويسأل: من أين جاء الحجر؟ ولماذا اختير هذا المكان بالذات؟

لهذا يبقى المجتمع بحاجة إلى الاثنين:

بحاجة إلى صحافي يحمي الحقيقة من الضياع، وإلى كاتب يحمي المعنى من الاختفاء.

فالأحداث بلا تفسير مجرد وقائع، والتفسير بلا وقائع مجرد خيال. وبين الحقيقة والمعنى تولد الكتابة التي تترك أثرًا.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى