مقالات

جبال الصوان… عندما تصبح الكرامة آخر خطوط الدفاع عن الوطن…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

قدّم الأخوان عاصي الرحباني ومنصور الرحباني مسرحية “جبال الصوان” عام 1969 على مسرح مهرجانات بعلبك الدولية، في مرحلة كانت فيها المنطقة العربية لا تزال تعيش آثار هزيمة عام 1967، فيما كان سؤال الأرض والحرية والكرامة يفرض نفسه على كل عمل فكري وفني.
في ظاهرها، تدور المسرحية حول قرية تخضع لسلطة المحتل وأعوانه. يتسلط فاتك على الناس بقوة السلاح، ويظن أن الخوف كفيل بإسكاتهم وإطفاء روح المقاومة فيهم. لكن الرحابنة يضعون في مواجهته غربة، ابنة مدلج، التي لا تحمل سلاحًا بقدر ما تحمل إيمانًا بأن الإنسان الذي يتخلى عن كرامته يخسر وطنه قبل أن يخسر أرضه.

لم يكن الصراع بين فاتك وغربة صراعًا بين رجل وامرأة، ولا بين شخصيتين مسرحيتين، بل كان مواجهة بين مشروعين: مشروع يؤمن بأن البطش يصنع الحكم، وآخر يؤمن بأن إرادة الإنسان أقوى من كل احتلال، وأن الكرامة ليست شعارًا يُرفع، بل ثمنًا يُدفع.

وهنا تكمن عبقرية الرحابنة. فهم لم يكتبوا عن معركة عسكرية، بل عن المعركة التي تسبقها: معركة الخوف داخل الإنسان. لأن الوطن لا يسقط عندما يدخل إليه الغريب، بل عندما يقتنع أبناؤه أن المقاومة لم تعد مجدية، وأن الاستسلام هو الطريق الوحيد إلى النجاة.

ولذلك جاء عنوان المسرحية “جبال الصوان”. فالصوان حجر شديد الصلابة، تقسو عليه الرياح والأمطار لكنه لا يتفتت. وكأن الرحابنة يقولون إن الأوطان تحتاج إلى رجال ونساء يشبهون الصوان؛ قد يتألمون، لكنهم لا ينكسرون.

بعد أكثر من نصف قرن، تبدو «جبال الصوان» وكأنها كُتبت للبنان اليوم. فالخطر الذي يواجه لبنان ليس اقتصاديًا أو سياسيًا فقط، بل هو خطر أن يفقد اللبناني ثقته بوطنه. حين يصبح اليأس ثقافة، والهجرة حلمًا جماعيًا، والإصلاح أمنية بعيدة، يبدأ الوطن بخسارة أغلى ما يملك: إيمان أبنائه به.

ولم يكن الرحابنة يدعون إلى التمسك بالأرض كشعار عاطفي، بل كانوا يدعون إلى التمسك بالقيم التي تجعل الأرض وطنًا: العدالة، والحرية، والكرامة، ووحدة الناس في مواجهة كل من يريد تحويلهم إلى جماعات خائفة ومتفرقة.

إن فاتك لا يموت بانتهاء المسرحية، لأنه ليس شخصًا بعينه. إنه كل سلطة تعتقد أن الخوف يكفي لإخضاع الشعوب، وكل فكر يزرع الهزيمة في النفوس قبل أن تقع على الأرض. وغربة لا تنتهي بإسدال الستارة، لأنها ليست امرأة فقط، بل هي ضمير الإنسان الذي يرفض أن يساوم على كرامته مهما اشتد الظلام.

وهنا تتجلى النبوءة الرحبانية. فما حذروا منه قبل أكثر من خمسين عامًا ما زال حاضرًا بأشكال مختلفة. لقد أدركوا أن الأوطان لا تُهزم من الخارج وحده، بل قد تنهار عندما يشيخ الإيمان بها في قلوب أبنائها.

ولعل الرسالة التي أراد الأخوان رحباني أن يتركاها تتجاوز حدود المسرح والزمن، وتختصرها فكرة واحدة: لا قيمة لوطنٍ يعيش فيه الناس أحياء إذا كانت كرامتهم قد ماتت.
وبعد أكثر من نصف قرن، ما زال السؤال الذي طرحته “جبال الصوان” معلّقًا فوق لبنان: هل ما زال فينا من صلابة الصوان ما يكفي لنحفظ وطنًا، أم بدأنا نعتاد التشقق قبل أن نتعلم كيف نقاوم؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى