منهج الصراط المستقيم في التدبر القرآني العلمي الليل الكوني والمادة المظلمة نموذجًا/ الجزء الأول

بقلم// محمد بسام شوكت كبارة
بسم الله الرحمن الرحيم
أولاً : مقدمة
إنَّ القرآن الكريم ليس كتاب هداية وتشريع فحسب، بل هو أيضًا كتاب دعوة دائمة إلى التدبر والتفكر في خلق الله تعالى وسننه في الكون. وقد تكررت في آياته الدعوة إلى استعمال العقل والنظر في الأنفس والآفاق، مع التذكير الدائم بأن علم الإنسان، مهما اتسع، يبقى محدودًا أمام علم الله سبحانه وتعالى.
ومن هنا تقوم هذه الدراسة على منهج نسميه «منهج الصراط المستقيم في التدبر القرآني العلمي»، وهو منهج يقوم على الانتقال بأقوم طريق بين النص القرآني والظاهرة الكونية، دون تكلف في التأويل، ودون إخضاع القرآن للنظريات العلمية المتغيرة، مع المحافظة على التمييز بين اليقين القرآني والاجتهاد البشري في فهم الكون.
ولا تهدف هذه الدراسة إلى إثبات سبق علمي بالمعنى الاصطلاحي، وإنما إلى بيان أن القرآن الكريم يفتح آفاقًا متجددة للتدبر، وأن تطور العلوم قد يساعد الإنسان على فهم بعض السنن الكونية التي تشير إليها الآيات، مع بقاء النص القرآني فوق كل نظرية علمية، لأنه كلام الله تعالى العليم الخبير.
ثانياً : عناصر منهج التدبر القرآني
يقوم هذا المنهج على الربط بين خمس مجموعات من الآيات القرآنية، بحيث تتكامل فيما بينها لتكوين منهج علمي إيماني متوازن.
1- آيات التدبر
وردت مادة التدبر في القرآن الكريم في أربعة مواضع، موزعة على أربع سور :
إن وسائل التدبر القرآني العلمي الفضلى هي التوفيق و الربط بين خمس آيات قرآنية :
الأولى :آيات التدبر :
إنَّ مادة التدبر الواردة في القرآن , موجودة في أربعة مواضع، موزعة على أربع سور هي : «النساء، محمد، المؤمنون، ص»
فورود لفظ ﴿يَتَدَبَّرُونَ﴾ في سورتي النساء ومحمد، وورود ﴿يَدَّبَّرُوا﴾ في سورة المؤمنون، وورد ﴿لِيَدَّبَّرُوا﴾ في سورة ص.
وهذا التكرار يدل على أن التدبر ليس عملاً فكريًا عارضًا، بل منهج قرآني دائم يقود الإنسان إلى فهم أعمق لآيات الله.
2- آيات التفكر
ومن أبرزها قوله تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ… لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
(البقرة: 164).
فهذه الآية تجمع بين مظاهر الكون المختلفة، وتدعو الإنسان إلى الربط بينها بعقله، لا إلى النظر إلى كل ظاهرة بمعزل عن غيرها.
3- آيات الآفاق والأنفس
قال تعالى:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾
(فصلت: 53).
وهذه الآية تجعل البحث في الكون، كما البحث في النفس الإنسانية، طريقًا من طرق الوصول إلى اليقين.
وقد جمع الإمام السعدي رحمه الله معاني هذه الآية بقوله إن الله تعالى يري عباده من آياته في الكون وفي أنفسهم ما يبين لهم أن القرآن حق.
ونضيف إلى ذلك أن علم اليقين القرآني هو علم وحق مطلق، بينما يبقى علم الإنسان نسبيًا ومتدرجًا.
4- آيات العلم :
ومنها قوله تعالى:
﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾
(الإسراء: 85).
أي أن الإنسان، مهما بلغ من التقدم العلمي، فإن علمه يظل محدودًا بالنسبة إلى علم الله تعالى.
“فالعلمُ الذي لم نؤتَ منه إلا قليلاً هو ليس ذلك الذي قُدِّرَ لعقولِنا أن تُحيطَ به بتدبُّرِنا ما قُيِّضَ لنا أن نُحيطَ به من ظواهرِ الوجود، ولكنه علمُ اللهِ. وبذلك فإنَّ بالإمكانِ إيجازُ المعنى الذي تنطوي عليه العبارةُ القرآنيةُ الجليلة “وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا” بالكلمات التالية: “وما أوتيتُم من علم الله إلا قليلاً».( نقلا عن السهيلي )
وهذا الأصل يمنع الباحث من الوقوع في الغرور العلمي، كما يمنعه من إغلاق باب التدبر.
5- آية الصراط المستقيم
وتعد هذه الآية الركن الجامع لمنهج البحث.
فالمسلم يطلب الهداية إلى الصراط المستقيم في كل ركعة من صلاته، مما يدل على أن هذا الطريق ليس مجرد طريق عقدي، بل هو أيضًا منهج في التفكير والبحث. وليس صراط التعرج ( غير المستقيم ) المتمثل إما بالتثليث أو إما بالتماثيل ، و بالعجل التي يزعمون أنها تقربهم من الله :
مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ [الزمر: 3
و إما بالإلحاد الذي يقول ان لا إلاه وإنما الطبيعة أمدتنا بما نراه كما يصفهم القرآن الكريم في آية الجاثية : وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ ۚ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ﴾ [الجاثية: 24]..
ومن هنا نقترح تعريفًا لمنهج الصراط المستقيم في التدبر القرآني:
هو سلوك أقوم طريق في الانتقال من النص القرآني إلى فهم الظاهرة الكونية، ومن الظاهرة الكونية إلى النص، دون تكلف في التأويل، ودون إغفال للسياق، مع المحافظة على التمييز بين اليقين القرآني والاجتهاد البشري في العلوم.
وبذلك يصبح القرآن الكريم هو نقطة الانطلاق، ويكون العلم وسيلة للتدبر، لا حاكمًا على النص.
هذا هو الجزء الاول.


