ريبة الوجود في رحلة “الوداع الطويل”

بقلم// د. حسان فلحة
عندما تكون الغربة ملاذا طوعيا في حياة البشر او صدفةً مقيمة بين المسافة والحنين ، قابعة ً أبداً بين القلق و السكينة على الطرف الادنى من حبل الاشتياق او الطرف الأبعد ،كالرسم المنقوش في لعبة القدر ، فيصبح المكان اكثر شبها في الحضور والغياب ،يأتي اليك من مكان لا تعرفه ويأخذك إلى مكان لن تعرفه .هذا الغريب في زحمة الوجود له روح ، و جسدان يجمعهما
المكان ، هذا المشترك بين الجسد الحاوي والجسد المحتوي على قدَرِ ما رأه ارسطو ، يكون ظلك الحاضر لماذا أنت دائما في هذا المكان حصرا من هذا الكون العظيم ؟ تقضي فيه لحظاتٍ و ايامًا وسنوات ، ولربما اكثر من جلّ عمرك ، لماذا أنت هنا مقيم وليس في مكان آخر ؟
يضيق عليك العالم إلا هو . في اي موقع ولدت ؟ او من اي مكان أتيت ؟ ، و إلى أين ارتحلت وسكنت وأقمت ؟ لماذا هنا ، وليس هناك ؟،
و السؤال الابدي ،من اي مكان سترحل إلى يومك الاخر ؟
ما يجمع بين هذه الاسئلة الوجودية ، هو المكان خاصتك. لا خاصة سواك ، هو الدهر والقدر والعمر ، هو سجل حضورك و وجودك وغيابك . هو الانسلاخ والانشداد ، صراع الأمكنة داخل النفس البشرية .
في الغربة العابرة، سيان الأحساس عند الاحتساب بين الخاسر والرابح .
الغربة الحقيقية هي في وجود التعلق الخطأ في حياتك والانتماء والتشبث ، تبحث عن قعر الزوايا في دوائر المشاعر الباهتة و تستعين بدفء الوحدة احيانا ، مثل نظرات العبيد الصامتين في ملهاة الكوميديا على مسرح المأساة .
يعرفك جيدا و لا يفهمك ،يغرق في تفاصيل حياتك ولا يتحسس خواطرك العابرة .
تنتابك شدة الإدراك في معرفته وتصاب بلعنة التجاهل التى اصابتك كما البشرية جمعاء منذ ان غاصت اولى العواطف والاحاسيس في جسد الانسان ، و غارتْ في أعماقه الدفينة، لتحيله متشردا على ابواب الاستجداء النفسي ، كم يتذلل المرء على خواطر الأنانية عندما يرهن كبرياءه لرغبات ذاته في حب الاخر؟ .
هي عدالة الاستعطاء ،شحيح في الأخذ انت ، وجزيل في الطلب ( العطاء )، هو .
من ينتصر ؟ومن يفوز ؟ أيهما الخاسر ؟ إذْ ذاك هو ينتظر وانت لا تعود ، لتستفيق مذعورا انك نسيت ذاتك عنده في غفوة اليقظة ، وقد بلغ هو ، البعدَ الأبعد في الرحيل .تمرغ الحياةُ طالعك غريبا في ريبة الوجود . كم انت ترى الأشياء كلها بادنى مقاسات تفاصيلها ، ولا تُرى في دبيب الوجود الصارخ ؟.
الغربة ، قدر منسي في التساوي عند ترادف السكينة ، والتباين على مفارق المحن ، هي ثنائية التقاطع بين الروح والجسد ، تجتمع عند حيرة القلق في الاولى. ،و يتعب الاخر من الرحيل ، من ضنا السفر و طول المسافة .
الإشكالية المستجدة هي ، في تنميط العلاقة الجدلية و انتقالك في البوح عن مكنونات النفس وحضور الآخرين عبر تقنية دمج اللقاء في اختصار المسافة ، والجمع بين الإقامة والغربة، و بين الحضور الافتراضي والغياب التام.
لقد اعادت أنسنة التكنولوجيا ربط الانسان ببيئته وشكلت نموذجا متموجا من الإرباك في العلاقة الاجتماعية بين المكانين عنده ، واستطاعت تسطيح الغربة لديه و تقليص الفجوة بين الحاسة المباشرة ( لمسا و نظرا وسمعا )، والإحساس الداخلي (شعورا و حنّوا وإدراكا حسيا )، هي ليست ردما للهوة، بل هي جَسْرٌ للتواصل حتى بدا الحنين مشبعا بتقنيات الأمكنة و المحيط ، و ان كان الجسد يعجز عن الانتقال إلى ماتستطيع ان تصل اليه الروح .
انها الحياة بكل تفاصيلها في الغربة والحضور ، “ما هي إلا وداع طويل ” كما قال الكاتب الياباني هاروكي موراكامي بعدما تراءى له الوحي في روايته “كافكا على الشاطئ “.
جريدة “النهار”



