مقالات

وهم الرهانات!

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

بين وهم الرهانات الخارجية وضرورة استعادة القرار اللبناني

يقول المثل: “المؤمن لا يُلدغ من الجحر مرتين”، لكن التجربة اللبنانية توحي بأننا نكرر الأخطاء نفسها، فنراهن على الخارج، ثم نكتشف عند أول مفترق مصالح أن الدول لا تتحرك إلا وفق حساباتها الخاصة.

عندما تستطيع إيران التأثير في مسار وقف إطلاق النار في لبنان، رغم محاولة الولايات المتحدة فصل المسار اللبناني–الإسرائيلي عن مسارها التفاوضي مع إيران، فإن ذلك يطرح سؤالًا أساسيًا حول حجم النفوذ الأميركي وقدرته على فرض إرادته السياسية والعسكرية في المنطقة.

فالقوة لا تُقاس فقط بعدد حاملات الطائرات أو حجم الترسانة، بل بقدرة الدولة على تحويل هذه القوة إلى نتائج سياسية ملموسة. وعندما تصبح واشنطن مضطرة إلى إدارة الأزمات بدل فرض الحلول، فهذا يعني أن هناك تحولًا في طبيعة اللعبة الإقليمية.

لقد أشرنا في مقالات سابقة إلى أن التردد الأميركي في بعض المحطات لم يكن مجرد اختيار سياسي، بل قد يعكس صعوبة في متابعة مواجهة مفتوحة ذات كلفة عالية، والبحث عن مخرج يحافظ على صورة القوة والهيبة. فالحروب لا تُخاض فقط في الميدان، بل أيضًا في الإعلام والرواية السياسية: من يظهر منتصرًا؟ ومن يفرض تفسير النهاية؟

فإيران، رغم الخسائر والضغوط التي تعرضت لها، استطاعت المحافظة على حضورها في معادلات المنطقة. والولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، تواجه تحدي تحويل تفوقها إلى نفوذ دائم قادر على التحكم بكل المسارات.

لكن السؤال الأكبر يبقى: ماذا عن لبنان؟

لبنان دفع مرارًا ثمن الرهانات الخارجية. فهناك من يرى أن العديد من المبادرات التي كان يمكن أن تساعد في معالجة أزمات حيوية، اصطدمت بحسابات وضغوط دولية. طُرحت ملفات تتعلق بتسليح الجيش، والطاقة، والاستثمارات، ثم بقي البلد عالقًا في دوامة الانتظار والاعتماد على الخارج.

وهنا المشكلة الأساسية: هل يبنى وطن إذا كانت كل خياراته مرتبطة بموافقة عاصمة هنا أو هناك؟
فمن جهة، لا يمكن إنكار أن القوى الكبرى تتحرك وفق مصالحها، وليس وفق احتياجات الشعوب فقط. ومن جهة أخرى، فإن تحميل الخارج وحده مسؤولية كل أزماتنا يُغفل مشكلة داخلية عميقة: غياب مشروع وطني قادر على إنتاج القوة الذاتية.

السياسيون الذين راهنوا على الخارج، وصفقوا له، وانتظروا لحظة الانفراج، وجدوا أنفسهم أمام سؤال صعب: ماذا بعد سقوط الرهانات؟ ماذا بعد أن يتبين أن الحلفاء الدوليين يغيّرون أولوياتهم عندما تتغير مصالحهم؟
لقد قال الأخوان رحباني في ناس من ورق، قبل عقود، فكرة تختصر مأزقًا لبنانيًا قديمًا: عندما يصبح البلد قائمًا على ما يأتيه من الخارج، يصبح قراره معرضًا لأن يُسحب منه الخارج أيضًا.

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست فقط في مواجهة هذا الطرف أو ذاك، بل في بناء دولة لا تحتاج أن تستجدي قوتها من أحد.

منذ سنوات كنا نكرر: ابحثوا عن “صنع في لبنان”. لم يكن ذلك مجرد شعار اقتصادي، بل كان دعوة استراتيجية. فالبلد الذي لا ينتج غذاءه، وطاقته، واقتصاده، ومعرفته، يبقى معرضًا لأن يكون ساحة لصراعات الآخرين.

لبنان لا يحتاج إلى استبدال ارتهان بارتهان آخر، بل يحتاج إلى استعادة القدرة على القرار. فالخارج قد يساعد، وقد يضغط، وقد ينسحب، لكن الدولة التي لا تبني قوتها الداخلية ستبقى تنتظر دائمًا “الضوء الأخضر” من الآخرين.
والتاريخ لا يرحم الدول التي لا تتعلم من تجاربها. السؤال ليس: من نراهن عليه هذه المرة؟

السؤال الحقيقي: متى نبدأ بالرهان على أنفسنا؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى