مونديال كرة القدم وأزمة الوعي المعاصر

بقلم// الشيخ مظهر الحموي
لم يعد هذا الزمن زمن الإشارات الخافتة ، ولا التلميحات المواربة ، ولا الكلمات التي تُقال على إستحياء ، فقد تجاوز واقعنا حدود الوصف العابر، وأصبح في أمسّ الحاجة إلى وقفة صادقة ، ومراجعة جادة، ومصارحة لا تعرف المجاملة ولا تخشى المواجهة.
لقد بلغ الحال بأمتنا مبلغًا يجعل الحديث عن أزماتها أشبه بإعلان حالة استنفار حضاري وأخلاقي وفكري ، قبل أن يستفحل الداء ويعظم الخطب ويصبح العلاج أكثر عسراً وأشد كلفة.
وما أشد الحسرة حين يسترجع المرء صفحات الماضي المضيئة، فيقارنها بما آل إليه حال الحاضر من ضعف وتشتت وإنصراف عن معالي الأمور . فأين نحن اليوم من تلك الأمة التي كانت تحمل إلى الدنيا مشاعل الهداية والعلم والعدل ؟ وأين واقعنا من واقع أسلافنا الذين ملأوا الأرض علمًا وعمرانًا وأخلاقًا، حتى إمتدت آثار حضارتهم من شواطئ المحيط الأطلسي غربًا إلى تخوم الصين شرقًا ، ومن أعماق إفريقيا جنوبًا إلى أبواب أوروبا شمالًا؟
لقد كانت أمةً صنعت التاريخ ولم تكن هامشًا فيه ، وقادت الأمم ولم تكن تابعة لها ، ووجهت مسار الحضارة الإنسانية قرونًا طويلة بما حملته من رسالة ربانية ومبادئ سامية وقيم خالدة.
ولم تكن غايتها جمع الثروات ولا التنافس على متاع الدنيا الزائل ، وإنما كانت رسالتها الكبرى أن تهدي الإنسان إلى خالقه ، وأن تنقل البشرية من ظلمات الجهل إلى نور العلم ، ومن عبودية الخلق إلى عبودية الخالق ، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة.
ولم يكن أولئك الرجال العظام يفتحون البلدان طمعًا في ذهب أو فضة ، بل كانوا يفتحون القلوب قبل الحصون ، ويبنون الإنسان قبل البنيان ، ويزرعون القيم قبل أن يقيموا الدول. ولذلك بقي ذكرهم خالدًا ، وأثرهم باقيًا ، وسيرتهم منارة تهدي الحائرين إلى يومنا هذا.
غير أن المتأمل في واقعنا المعاصر يكاد يقف مدهوشًا أمام حجم التحول الذي أصاب أولوياتنا وإهتماماتنا.
فبعد أن كنا أمة تحمل همّ الرسالة ، أصبح كثير من أبنائها يحمل همّ نتيجة مباراة كرة القدم . وبعد أن كانت عقولنا مشغولة بقضايا العلم والمعرفة والبناء والإصلاح ، أضحت منشغلة في أحيان كثيرة بمتابعة تفاصيل البطولات الرياضية ، وكأن مصير الأمة معلق بأقدام اللاعبين ، أو كأن نهضتها مرهونة بنتائج المباريات .
إن كرة القدم في أصلها رياضة مشروعة ، ونشاط ترفيهي نافع إذا وُضع في موضعه الصحيح ، غير أن الإشكال لا يكمن في اللعبة ذاتها ، بل في حجم التعلق بها ، وفي الصورة التي تحولت إليها لدى فئات واسعة من الناس.
فكم من خصومات إشتعلت بسببها ، وكم من أواصر تقطعت من أجلها ، وكم من ساعات وأيام أهدرت في متابعتها ومناقشة تفاصيلها ، حتى غدت عند بعض الناس قضية تتقدم على قضايا الأسرة والعلم والعمل والعبادة.
وما يدعو إلى العجب أن ترى شبابًا ربما لا يتحمسون لقضية تمس دينهم أو أمتهم أو مستقبلهم ، لكنهم يستنفرون مشاعرهم وطاقاتهم كلها دفاعًا عن فريق لا يعرف أسماءهم ، ولا يدرك وجودهم ، ولا يربطهم به رابط سوى لون قميص أو شعار نادٍ أو منتخب.
ثم تنظر إلى الشوارع والبيوت والسيارات والشرفات وقد إزدانت بأعلام أمم أخرى ، وترى الجدل يحتدم ، والأصوات ترتفع ، والانقسامات تتسع بين مشجع لهذا المنتخب أو ذاك ، حتى يخيل للناظر أن معارك مصيرية تدور رحاها ، وأن الأمة قد وجدت أخيرًا القضية التي تستحق كل هذا الانفعال والاهتمام .
وليس من الحكمة أن نحمّل الرياضة ما لا تحتمل ، أو أن نصورها عدوًا ينبغي محاربته ، فالإسلام دين التوازن والاعتدال ، وقد دعا إلى القوة في أوسع معانيها ، وشجع على كل ما ينمي الجسد ويقوي الإرادة ويعين الإنسان على أداء رسالته في الحياة.
وقد ثبت أن النبي ﷺ سابق أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها، وعُرف بين الصحابة الفرسان والرماة والمصارعون ، وجاءت النصوص الشرعية حاثة على تعلم ما يقوي الأبدان ويصنع الرجال .
وقد جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه : علموا أولادكم السباحة والرماية وركوب الخيل” ولكن الفرق كبير بين رياضة تُمارس بإعتدال فتقوي الجسد وتجدد النشاط ، وبين هوس يستهلك الأعمار ويستنزف العقول ويحول الإنسان إلى أسير لشاشات البث والتحليل والمتابعة.
والفرق أعظم بين تشجيع راقٍ يقوم على الروح الرياضية والأخلاق الحسنة ، وبين تعصب أعمى يوقظ النعرات ويغذي الخصومات ويزرع الأحقاد بين الناس .
إن الأمم لا تنهض بالصخب ، ولا تبنى بالأوهام ، ولا تستعيد مكانتها بين الشعوب بكثرة المتابعين للمباريات ، وإنما تنهض بالعلم والعمل والإبداع والانضباط وحسن إستثمار الوقت.
وإن أعظم ثروة يمتلكها الإنسان ليست المال ولا الجاه ، بل العمر الذي يمضي من بين يديه في كل لحظة ، فإن أحسن إستثماره ربح الدنيا والآخرة ، وإن بدده فيما لا ينفع ندم حين لا ينفع الندم.
ومن هنا فإن الواجب يقتضي أن نعيد النظر في أولوياتنا ، وأن نربي أبناءنا على التوازن والوعي، وأن نغرس في نفوسهم أن الترفيه حق ، لكن له حدودًا ، وأن الرياضة مطلوبة ، لكن لا ينبغي أن تتحول إلى محور الحياة ومركز الاهتمام الأكبر .
لقد آن للأمة أن تستفيق من غفلتها ، وأن تدرك أن أمامها تحديات جسامًا وقضايا مصيرية تستحق منا كل جهد وفكر وعطاء .
آن لها أن تستعيد وعيها برسالتها ، وثقتها بذاتها ، وإيمانها بقدرتها على النهوض من جديد ، فالأمم لا تموت ما دامت قادرة على مراجعة أخطائها وتصحيح مسارها.
وإن المسؤولية في ذلك مشتركة بين الآباء والأمهات ، والمعلمين والمربين، والعلماء والمفكرين ، والإعلاميين وأصحاب القرار ، فكل واحد منهم راعٍ في موقعه ، وكل واحد منهم مسؤول أمام الله عن الأمانة التي استرعاه عليها.
وصدق رسول الله ﷺ حين قال: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته»، فهذه الكلمة العظيمة ليست مجرد توجيه أخلاقي ، بل هي منهج حياة ، يحمّل كل فرد مسؤولية الإصلاح والبناء والتوجيه ، حتى تبقى الأمة يقظة واعية ، قادرة على حفظ هويتها وصيانة قيمها وصناعة مستقبلها. فهل آن لنا أن نراجع أنفسنا بصدق؟
وهل آن لنا أن نعيد ترتيب أولوياتنا قبل أن يسبقنا الزمن أكثر مما سبقنا؟
وهل ندرك أن الأمم العظيمة لا تصنعها الانفعالات العابرة ، وإنما يصنعها الوعي العميق والعمل الدؤوب والإيمان الراسخ بالرسالة والغاية؟
تلك أسئلة تستحق أن نتوقف عندها طويلًا، لا لنرثي واقعنا ، بل لنصنع مستقبلًا يليق بأمتنا وتاريخها ومكانتها بين الأمم.
أخوكم الشيخ مظهر الحموي
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية



