الدول الكبرى لا تملك أصدقاء دائمين بل مصالح دائمة…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في العلاقات الدولية، هناك قاعدة لطالما أثبتها التاريخ: الدول الكبرى لا تبني سياساتها على العواطف، ولا تتحرك وفق منطق الوفاء كما يفهمه الأفراد، بل وفق ميزان المصالح والقوة والظروف. لذلك فإن الرهان المطلق على أي قوة خارجية، مهما بدا قويًا في لحظة معينة، يحمل في داخله احتمال الخيبة.
كم من دولة اعتقدت أنها محمية إلى الأبد تحت مظلة قوة عظمى، ثم اكتشفت أن تلك المظلة يمكن أن تُسحب عندما تتغير الحسابات. فالدعم الدولي ليس عقد ضمان أبدي، بل تفاهم مرحلي تحكمه المصالح.
التاريخ مليء بالأمثلة. دول وحكومات بنت استراتيجياتها على قربها من واشنطن، ثم وجدت نفسها أمام واقع جديد عندما تغيرت الأولويات الأميركية. تجربة محمد رضا بهلوي تبقى من أبرز الأمثلة على أن الحليف القوي لا يستطيع دائمًا إنقاذ نظام عندما تتغير البيئة الداخلية والإقليمية. كذلك شكل الانسحاب الأميركي من أفغانستان لحظة كشفت أن التحالفات مهما طال عمرها تبقى مرتبطة بقرار القوة الكبرى ومصالحها.
حتى الدول التي تمتلك إمكانات استراتيجية وثروات وموقعًا مهمًا لا تستطيع أن تبني أمنها بالكامل على ضمانات خارجية. فالتحولات في المنطقة تثبت أن العلاقة بين الدول الكبرى وحلفائها ليست علاقة حماية مطلقة، بل علاقة تفاوض مستمر: اليوم قد تكون الأولوية لملف، وغدًا لملف آخر.
لكن المشكلة ليست فقط في الرهان على واشنطن. فكل رهان خارجي يحمل المخاطر نفسها. فالدول الإقليمية أيضًا تتحرك وفق مصالحها، وقد تتقاطع مع مصالح بلد ما في مرحلة، ثم تختلف معه في مرحلة أخرى. وهذا ما يجعل أي دولة صغيرة معرضة لدفع ثمن صراعات الآخرين إذا فقدت قدرتها على تحديد قرارها.
لبنان يعرف هذه التجربة جيدًا. فمنذ عقود، تناوبت عليه مشاريع ونفوذات خارجية، وكل طرف لبناني كان يعتقد في لحظة ما أن حليفه الخارجي سيكون ضمانته النهائية. لكن التجارب أثبتت أن القوى الخارجية ترحل عندما تتغير الظروف.
فالوجود السوري في لبنان، الذي اعتقد كثيرون أنه سيستمر طويلًا، انتهى عندما تغيرت المعادلات الدولية والإقليمية، وخرج بشار الأسد من لبنان بعد مرحلة طويلة من النفوذ. وهذا المثال وحده يكفي للتذكير بأن أي قوة مهما بدت راسخة ليست قدرًا دائمًا.
واليوم، لا يختلف الأمر بالنسبة لأي محور آخر. فربط مستقبل لبنان بالكامل بأي قوة خارجية، أكانت في الشرق أم الغرب، يعني وضع مصير بلد كامل في يد حسابات لا يملك اللبنانيون التحكم بها.
المشكلة ليست في بناء علاقات مع الخارج؛ فكل دولة تحتاج إلى شبكة علاقات دولية. المشكلة تبدأ عندما يتحول الخارج من شريك إلى مرجعية، ومن دعم إلى بديل عن الدولة.
لبنان لا يحتاج إلى عداوة العالم، لكنه يحتاج قبل كل شيء إلى استعادة فكرة بسيطة: أن القرار الوطني لا يُصنع في العواصم الأخرى.
فالـ 10452 كلم² ليست مجرد مساحة جغرافية، بل هي حدود المسؤولية. داخلها يجب أن يكون ميزان الربح والخسارة لبنانيًا أولًا.
قد نختلف حول السياسة، وحول السلاح، وحول الخيارات الاستراتيجية، لكن التاريخ يقدم درسًا واحدًا:
من يسلّم مفتاح بيته للخارج، قد يكتشف يومًا أن من أصبح بيده المفتاح يملك حق فتح الباب أو إغلاقه، وقد يقفل الباب على صاحب البيت نفسه، أو يمنعه من الدخول، أو يتركه واقفًا خارجه ينتظر قرارًا لا يملكه.
لذلك، لا تراهن كثيرًا على الخارج…
راهن أولًا على بناء الداخل.
“لبنان لا يرفض العالم، لكنه لا يجب أن يفقد مفتاح بيته”.



