مقالات

أهل السُّنَّة في لبنان: قراءة في الواقع وإستشراف للمستقبل

بقلم// الشيخ مظهر الحموي

أعتقد أنكم تتفقون معي أنه ليس من قبيل المبالغة القول ان أهل السُّنَّة في لبنان يقفون اليوم أمام منعطفٍ دقيق من تاريخهم ، تفرضه التحولات المتسارعة التي تعصف بالبلاد ، وتستدعي وقفة تأملٍ ومراجعةٍ صادقة لما آل إليه واقعهم ودورهم وموقعهم في المعادلة السياسية .
فبعد عقودٍ كانوا خلالها ركيزةً أساسية في بناء الدولة وترسيخ مؤسساتها والدفاع عن فكرة العيش المشترك والشراكة الوطنية ، يتنامى اليوم شعورٌ واسع بأن حضورهم السياسي يتراجع ، وأن تأثيرهم في صناعة القرار لم يعد بمستوى تاريخهم ولا بحجم إسهاماتهم وتضحياتهم في سبيل إستقرار الوطن ووحدته .
والسؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح : كيف وصلنا إلى هذه الحال؟ وكيف إنتقل أبناء مدرسة الإعتدال والدولة والمؤسسات من موقع المبادرة والتأثير إلى موقع القلق والترقب ؟
إن المتأمل في أحوال السنة يلمس قدراً كبيراً من الإحباط والمرارة. فالتحديات لا تقتصر على الشأن السياسي فحسب، بل تمتد إلى الواقعين الإقتصادي والإجتماعي…
حيث يرزحوا تحت أعباء الفقر والبطالة وغلاء المعيشة ، فيما تتسع دائرة الهجرة، وتغادر الطاقات والكفاءات بحثاً عن مستقبلٍ أكثر أمناً واستقراراً، وكأن الوطن يودّع أبناءه واحداً تلو الآخر.
وما يزيد المشهد إيلاماً أن كثيرين يشعرون بأن التراجع لم يعد يقتصر على مستوى الفرص والقدرات … بل طال أيضاً مكانة الطائفة ودورها الوطني ، في وقتٍ إستطاعت فيه معظم المكونات اللبنانية تنظيم شؤونها ، وحماية مصالحها ، وتعزيز حضورها داخل مؤسسات الدولة ومراكز القرار .
أما أهل السُّنَّة ، فقد أنهكتهم الانقسامات وتفرقت بهم الحسابات الضيقة، فتبددت الجهود وتراجع التأثير، وغابت الرؤية الجامعة التي توحّد الطاقات وتحصّن المكتسبات وتستشرف المستقبل .
ومن هنا تبدو الحاجة ملحّة الى النظر الى أبعد الآفاق والتعمق في عمق الحقيقة وإلى مراجعةٍ مسؤولة تتجاوز الأشخاص والعناوين الآنية ، وتتجه نحو بناء مشروعٍ وطني جامع ، يعيد الثقة إلى أهل السنة ، ويحفظ الكرامة ، ويصون الحقوق ، ويستنهض الطاقات والكفاءات ، ويؤكد التمسك بالدولة والدستور والعدالة باعتبارها الضمانة الحقيقية لجميع اللبنانيين.
أسألكم أجيبوني ؟!
ما الذي يحول دون التقاء المسؤولين والفعاليات السنية بشكل دوري حول طاولة حوارٍ صادق ومسؤول ، يتدارسون فيه أوضاع طائفتهم وشؤونها وتحدياتها ؟
لسنا ندعو إلى ذوبانٍ يُلغي التمايزات أو إنصهارٍ يمحو الإنتماءات ، وإنما إلى لقاءٍ جامعٍ يرقى إلى مستوى المسؤولية ، يلامس هموم هذه الطائفة الأصيلة في الوطن والأكثر عددا ، ويستشرف تطلعات أبنائها ، ويبحث في سبل صون كرامتهم ، وحماية دورهم ، وتحقيق مطالبهم المحقة في إطار الشراكة الوطنية والعدالة والإنصاف .
فالأمم لا تُصان مكانتها بالحسرة على ما مضى ، ولا تستعيد دورها بالأمنيات ، وإنما بالوعي والإرادة والإجتماع على وحدة المقصد وحسن العمل .
والتاريخ شاهدٌ على أن الشعوب التي تعرف قيمتها، وتحسن قراءة واقعها ، قادرة على تحويل المحن إلى فرص ، والتحديات إلى مسارات نهوض وتجدد…
ويبقى السؤال الذي لا يجوز تأجيله : ماذا نريد لأنفسنا ولأبنائنا في السنوات المقبلة؟ وكيف نحفظ دورنا الوطني ، ونستعيد روح المبادرة ، ونبني مستقبلاً يليق بتاريخنا ومكانتنا وشراكتنا في هذا الوطن؟
إنها أسئلة المرحلة ، بل أسئلة المصير ، والإجابة عنها لم تعد ترفاً فكرياً ، بل ضرورة وطنية وأخلاقية لا تحتمل التأخير .
والله من وراء القصد.

أخوكم الشيخ مظهر الحموي

عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية

رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى