لبنان بين الانسداد والحلول الصعبة: من السلاح إلى الفيدرالية… أين المخرج؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
يعيش لبنان اليوم حالة سياسية دقيقة تتداخل فيها الملفات الداخلية مع التوازنات الإقليمية، وفي مقدمتها ملف السلاح، وحدود الدولة، وطبيعة النظام نفسه. ومع تعقّد الأزمة، تتعدد الطروحات من داخلية وخارجية، تبدأ من تسليم السلاح، ولا تنتهي عند الفيدرالية أو حتى التقسيم.
لكن السؤال الجوهري يبقى: أين الحل الحقيقي؟
أولًا: جوهر المشكلة
المشكلة في لبنان ليست في عنوان واحد، بل في ثلاث طبقات متراكبة:
١) طبقة الحدث الظاهر …
٢) طبقة التفسير السياسي…
٣) طبقة الاعلام والرواية…
٤) طبقة النوايا الخفية او التوازنات الإقليمية…
وينتج عن هذه الطبقات:
– ازدواجية القرار السيادي
حيث تتوزع مراكز القوة بين الدولة وأطراف مسلحة وفاعلين سياسيين ذوي امتدادات خارجية، وفي مقدمتهم حزب الله.
– ضعف الدولة المركزية
مؤسسات الدولة غير قادرة وحدها على احتكار القرار الأمني أو ضبط المسار السياسي بشكل كامل.
– الانقسام الداخلي العميق
وهو انقسام سياسي ،طائفي ، استراتيجي يجعل أي قرار كبير محل خلاف جذري.
ثانيًا: سيناريو تسليم السلاح ، فرصة التحول
في حال تم التوصل إلى تفاهم داخلي حول تنظيم أو تسليم السلاح تدريجيًا، فإن ذلك يفتح بابًا لمسار مختلف يقوم على:
تثبيت مبدأ حصرية السلاح بيد الدولة
إطلاق استراتيجية دفاع وطنية
إعادة بناء الثقة الداخلية
فتح الباب أمام دعم اقتصادي خارجي مشروط بالاستقرار
هذا المسار يشبه في روحه منطق التسويات الكبرى مثل اتفاق الطائف، أي انتقال تدريجي من منطق التوازنات المتنازعة إلى منطق الدولة الواحدة.
لكن نجاحه مشروط بوجود إرادة داخلية جامعة، لا بقرار طرف واحد فقط.
ثالثًا: في حال الفشل والتصعيد
إذا لم يحصل أي تفاهم، واستمر الوضع القائم مع تصاعد الضغط السياسي الداخلي، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا ليس الحرب الشاملة مباشرة، بل:
ضغط سياسي متزايد حول ملف السلاح
توتر داخلي متقطع
تدهور اقتصادي أعمق
استمرار الارتهان للتجاذبات الإقليمية
وهذا يعني عمليًا بقاء لبنان في حالة “لا حرب ولا استقرار”، وهي أخطر الحالات لأنها تستنزف الدولة والمجتمع معًا.
رابعًا: الطروحات البديلة (الفيدرالية – الكونفدرالية – التقسيم)
مع انسداد الأفق، تعود إلى الواجهة أفكار مثل الفيدرالية أو الكونفدرالية أو حتى التقسيم.
لكن عند التدقيق:
الفيدرالية: تحتاج دولة قوية أولًا، وإلا تتحول إلى تقسيم مقنّع
الكونفدرالية: صعبة التطبيق في بلد متداخل جغرافيًا وسياسيًا
التقسيم: مكلف جدًا ويؤدي غالبًا إلى نزاعات جديدة بدل إنهاء القديمة
بالتالي، هذه الطروحات ليست حلولًا جاهزة، بل تعبير عن عمق الأزمة أكثر من كونها مخرجًا منها.
خامسًا: أين الحل الحقيقي؟
الحل الواقعي لا يقوم على خيار واحد، بل على مسار مركّب:
إعادة بناء الدولة تدريجيًا
الاتفاق على حصرية القرار السيادي
تنظيم ملف السلاح ضمن استراتيجية دفاع وطنية
إدارة التنوع عبر لا مركزية موسعة لا تقسيم
تحييد لبنان قدر الإمكان عن صراعات الخارج
الخلاصة:
لبنان لا يقف أمام خيار واحد، بل أمام مفترق طرق معقّد:
تسوية تدريجية تعيد بناء الدولة
أو استمرار الانسداد مع تآكل بطيء
أو طرح حلول كبرى (فيدرالية/تقسيم) لا تبدو قابلة للحياة في الظروف الحالية
لكن الثابت الوحيد هو أن أي حل لا يعيد الاعتبار للدولة كمركز قرار، سيبقى ناقصًا مهما تغيّرت العناوين.



