أين وقف إطلاق النار وأين الحقيقة؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
الحقيقة في مثل هذه اللحظات لا تكون عادةً روايةً واحدة، بل تقاطع مصالح وخسائر وحدود قدرة.
وفي الشرق الأوسط خصوصًا، كل طرف يروي الحدث من الزاوية التي تحفظ صورته أمام جمهوره.
إن تبدّل الخطاب الأميركي مهم جدًا في القراءة السياسية.
حين يبدأ الخطاب بـ”إسقاط النظام خلال 48 ساعة”، ثم يتحول إلى “تدمير 90% من القدرات”، ثم “70%”، فهذا لا يعني بالضرورة الكذب الكامل، لكنه يكشف شيئًا أساسيًا:
أن التقديرات الأولى كانت مبنية على توقعات سريعة لم تتحقق كما أُريد لها، وأن الواقع الميداني فرض تعديل السقف السياسي والإعلامي.
في الحروب، اللغة نفسها تصبح ساحة معركة.
كل نسبة تُعلن ليست فقط معلومة عسكرية، بل رسالة نفسية:
رفع المعنويات داخليًا،
الضغط على الخصم،
ومنع صورة التراجع.
لكن عندما تبدأ الأرقام بالهبوط تدريجيًا، فهذا يدل غالبًا على أحد أمرين:
إما أن التقدير الأول كان مبالغًا فيه،
أو أن الخصم ما زال يحتفظ بقدرة ردع لم تُكسر بالكامل.
ومن هنا جاء شعور كثيرين بأن هناك “تخبطًا أميركيًا” في إدارة الرواية.
أما الرواية المقابلة، التي تقول إن إيران فرضت وقف إطلاق النار بالقوة، فهي أيضًا ليست كاملة وحدها.
إيران تستطيع أن تتحمل جزءًا كبيرًا من الاستنزاف، لكنها تعرف كذلك حدود الحرب المفتوحة:
الاقتصاد،
العقوبات،
الداخل الإيراني،
وحسابات الحلفاء في المنطقة.
لذلك غالبًا لم يكن الهدف الإيراني “الانتصار العسكري الكامل”، بل منع الانهيار وفرض معادلة:
“أنا ما زلت قادرة على الرد، وبالتالي لا يمكن فرض الشروط عليّ بالكامل.”
أما الحديث عن دور الرئيس اللبناني، فهو يدخل في إطار “قنوات التهدئة” أكثر من كونه العامل الحاسم الوحيد.
في أزمات المنطقة، لبنان كثيرًا ما يتحول إلى مساحة رسائل واتصالات، والرئيس الأميركي قد يستمع، والرئيس اللبناني قد يطلب التهدئة، لكن القرار النهائي عادةً لا يُبنى على اتصال منفرد، بل على شبكة مصالح وضغوط دولية وإقليمية:
واشنطن لا تريد حربًا طويلة غير مضمونة،
إيران لا تريد مواجهة وجودية شاملة،
إسرائيل تخشى حرب استنزاف طويلة،
والمنطقة كلها تقف فوق اقتصاد هش وخرائط ملتهبة.
لهذا، وقف إطلاق النار غالبًا لا يأتي لأن طرفًا “انتصر بالكامل”، بل لأن الجميع وصل إلى لحظة أدرك فيها أن كلفة الاستمرار قد تصبح أعلى من مكسبه المتوقع.
أما السؤال الأعمق: “أين وقف إطلاق النار فعلًا؟”
فهنا المفارقة الكبرى.
في الشرق الأوسط، كثير من اتفاقات وقف النار ليست سلامًا، بل “إدارة للنار”.
أي:
تخفيف الاشتباك،
إعادة التموضع،
انتظار جولة جديدة،
أو فتح باب تفاوض غير معلن.
لهذا ترى الخطاب متناقضًا:
كل طرف يعلن النصر،
وكل طرف يدّعي أنه فرض الشروط،
بينما الواقع يقول إن أحدًا لم يستطع حسم المعركة بالكامل.
وهنا تصبح الحقيقة أقرب إلى هذا التعريف:
وقف إطلاق النار ليس دائمًا نتيجة انتصار طرف، بل أحيانًا نتيجة عجز الجميع عن تحمّل استمرار الحرب بالشكل نفسه.


