عندما يصبح الدم اللبناني تفصيلاً… هل آن أوان مراجعة الشراكة الوطنية؟
بقلم// خضر رسلان
في الوقت الذي تستمر فيه الاعتداءات الإسرائيلية على لبنان، وتسقط الضحايا وتُستباح السيادة الوطنية بشكل يومي، يبدو أن بعض السياسيين والإعلاميين اللبنانيين يعيشون في عالم آخر. فبدلاً من أن يكون همّهم الأول وقف العدوان وحماية اللبنانيين، ينشغلون بمعركة سياسية وإعلامية عنوانها الأساسي: معارضة أي مسار أو تفاهم قد يساهم في حماية لبنان أو التخفيف من معاناة شعبه، بغض النظر عن نتائجه الإيجابية على المصلحة الوطنية.
ومن يقرأ بعض الصحف والمواقف السياسية الصادرة في الأيام الأخيرة يلاحظ بوضوح حجم الحملة المركزة على ما يُعرف بترابط المسارات، وكأن المشكلة الحقيقية ليست في الاحتلال وعدوانه، بل في احتمال أن يستفيد لبنان من تفاهمات إقليمية ودولية قد تؤدي إلى وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو الحد منها.
المفارقة الكبرى أن هؤلاء يرفعون لواء “السيادة” فيما يتجاهلون أبسط مقتضياتها، أي حماية الأرض والإنسان. والأشد غرابة أنهم يقفون في مواجهة أي مسعى يمكن أن ينعكس إيجاباً على لبنان، فقط لأنهم يرفضون الاعتراف بأي خطوة أو نتيجة من شأنها تعزيز منعة الدولة اللبنانية وحماية شعبها وترسيخ الاستقرار والأمن الوطني.
في المقابل، لا يمكن إنكار أن إيران، رغم ما تواجهه من ضغوط وتهديدات ومخاطر تمس أمنها القومي مباشرة، ما زالت تضع وقف العدوان على لبنان ضمن أولوياتها السياسية، وتبذل جهوداً حثيثة في هذا الاتجاه. ففي الوقت الذي تتحمل فيه أثماناً سياسية وأمنية كبيرة دفاعاً عن قضايا تعتبرها جزءاً من أمن المنطقة واستقرارها، نجد في الداخل اللبناني من يشن حرباً إعلامية وسياسية لمنع إدراج لبنان ضمن أي تفاهم محتمل يمكن أن يفضي إلى وقف العدوان أو الحد من تداعياته.
قد يختلف اللبنانيون حول السياسات الإقليمية، وقد تتباين قراءاتهم للأحداث والتحالفات، لكن ما يصعب فهمه هو أن يتحول بعض أهل السياسة والإعلام إلى رأس حربة في مواجهة أي فرصة قد تخدم المصلحة اللبنانية، فقط لأنهم لا يريدون الإقرار بأي إنجاز يساهم في حماية الوطن أو تخفيف معاناة أبنائه أو تعزيز قدرة لبنان على الصمود في وجه التحديات.
هنا يصبح السؤال مشروعاً: لماذا هذا الإصرار على فصل لبنان عن أي تفاهم محتمل؟ ولمصلحة من تُشن هذه الحرب الإعلامية والسياسية؟ وهل الأولوية فعلاً هي حماية لبنان، أم تعطيل أي خطوة يمكن أن تحقق مصلحة وطنية واضحة للبنانيين؟
الوقائع تشير إلى أن بعض القوى باتت تتعامل مع خلافاتها السياسية باعتبارها أولوية تتقدم حتى على وقف العدوان الإسرائيلي نفسه. ولذلك نراها تعارض أو تشكك في أي مقاربة يمكن أن تؤدي إلى حماية لبنان أو تعزيز أمنه واستقراره أو تحقيق إنجازات تصب في مصلحة الشعب اللبناني وتزيد من مناعته وقدرته على مواجهة الأخطار، إذا كانت تلك المقاربة لا تنسجم مع حساباتها السياسية الضيقة. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فما نشهده اليوم لا يطرح أسئلة حول المواقف السياسية فحسب، بل حول طبيعة النظام الذي يحكم الحياة العامة في لبنان. نظام أثبت في أكثر من استحقاق وأزمة أنه عاجز عن إنتاج رؤية وطنية جامعة، وما زال أسير امتيازات وتوازنات بالية تتقدم فيها الحسابات الفئوية على مصالح المواطنين وأمنهم ومستقبلهم.
ومن هنا يصبح من المشروع فتح نقاش وطني جدي حول الحاجة إلى تطوير الحياة السياسية باتجاه تمثيل حقيقي يعكس الإرادة الشعبية الفعلية، ويمنح اللبنانيين القدرة على اختيار من يمثلهم ومحاسبته على أساس الأداء والالتزام بالمصلحة الوطنية، لا على أساس الامتيازات الموروثة أو الاصطفافات التقليدية التي أثبتت محدوديتها وعجزها عند كل استحقاق مصيري.
إن لبنان الذي يدفع أبناؤه أثمان الحروب والاعتداءات والأزمات المتلاحقة يحتاج إلى دولة أكثر التصاقاً بمواطنيها، وإلى نظام سياسي أكثر قدرة على التعبير عن إرادتهم الحقيقية. فحماية الوطن لا تكون بالشعارات، بل ببناء مؤسسات وتمثيل وطني يعكسان حقيقة المجتمع اللبناني وتطلعاته، ويجعلان المصلحة الوطنية فوق أي اعتبار آخر.
وعندما يصبح الدم اللبناني تفصيلاً في حسابات بعض السياسيين، فإن السؤال لا يكون عن موقف هذا الفريق أو ذاك، بل عن مدى حاجة لبنان إلى تجديد بنيته السياسية بما يضمن تمثيلاً أكثر عدالة وواقعية، ويؤسس لعقد وطني يرتكز إلى المواطنة والإرادة الشعبية والمصلحة الوطنية الجامعة.


