بين ثبات الخطاب الإيراني وتقلّب الرسائل الأميركية: معركة الوقت قبل القرار…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
تسمع التصريحات الأميركية في كل ساعة تقريبًا؛ مرة لغة تهديد وتصعيد، ومرة رسائل طمأنة وفتح أبواب للحوار، ومرة أخرى عبارات توحي بأن الخيارات كلها على الطاولة من دون وضوح حول أي خيار سيتم اعتماده. هذا التبدّل المستمر في النبرة يجعل المتابع أمام صورة إدارة تحاول الجمع بين الضغط والمفاوضات في آن واحد.
ففي مرحلة، يُرفع سقف الخطاب بالحديث عن أن إيران يجب أن تتراجع وأن كل الخيارات ممكنة، ثم تظهر في مرحلة أخرى دعوات إلى الحلول الدبلوماسية والاتصالات غير المباشرة. مرة يُقال إن الوقت ينفد، ومرة تظهر رسائل توحي بأن باب التفاوض ما زال مفتوحًا. هذا التناقض في الرسائل لا يعني بالضرورة غياب القوة، لكنه يعطي انطباعًا بأن هناك صراعًا بين الرغبة في فرض الشروط وبين الخوف من كلفة المواجهة.
في المقابل، يظهر الخطاب الإيراني أكثر ثباتًا في الشكل. منذ سنوات، تعتمد طهران سياسة تقوم على تكرار خطوط عريضة ثابتة: التفاوض ممكن لكن ضمن شروطها، التراجع غير مطروح تحت الضغط، والرد سيكون مرتبطًا بما تعتبره تهديدًا لمصالحها. حتى عندما تغيّر أساليبها بين التصعيد والتهدئة، يبقى الإطار العام للخطاب متماسكًا، ما يعطي انطباعًا بأنها تتحرك وفق مسار مرسوم.
وهنا تظهر مفارقة سياسية: ليس بالضرورة أن يكون الطرف الأكثر ثباتًا هو الأقوى دائمًا، وليس الطرف المتردد هو الأضعف، لكن في الصراع الإعلامي والنفسي، الثبات يعطي صورة قوة، بينما كثرة تبدّل الرسائل قد توحي بالارتباك.
قد يكون الهدف الأميركي الحقيقي هو كسب الوقت: إبقاء الضغط قائمًا، تحسين شروط التفاوض، منع الطرف الآخر من تحقيق مكاسب، وفي الوقت نفسه تجنب الذهاب إلى مواجهة مفتوحة لا يعرف أحد حدودها. وقد يكون الهدف الإيراني أيضًا كسب الوقت: الحفاظ على أوراق القوة، امتصاص الضغوط، وإبقاء الخصم أمام خيارات صعبة.
وفي النهاية، ما نشهده قد لا يكون طريقًا نحو اتفاق واضح، بل مرحلة طويلة من شدّ الحبال؛ لا حرب كاملة ولا سلام حقيقي، لا تسوية ناضجة ولا قطيعة نهائية. إنها معركة إرادات، وكل طرف يحاول أن يجعل الزمن يعمل لمصلحته.
ويبقى السؤال الأهم: وسط هذا الصراع بين القوى الكبرى والإقليمية، أين موقع الدول الصغيرة التي تدفع غالبًا ثمن هذه الحسابات؟ ومتى يصبح قرار المنطقة نابعًا من مصالح شعوبها لا من صراعات الآخرين؟



