الدعسة الناقصة

بقلم// العميد الركن د. جوزف س. عبيد
ليست “الدعسة الناقصة” مجرّد خطأ عابر في المسير، بل هي لحظة انكسار دقيقة تُربك توازن الإنسان في أكثر الأوقات ثقةً بنفسه. فهي تلك اللحظة التي تسبق السقوط بثوانٍ، حين تظنّ القدم أنها ثابتة، فإذا بها تكتشف أن الأرض لم تكن كما بدت.
في مسار الحياة، لا شيء يُعطى على شكل أرضٍ ملساء بالكامل. حتى أكثر الطرق استقامةً تخفي تحت ظاهرها مفاجآت غير مرئية، وسلالم الصعود فيها ليست آمنة كما نتخيّل، بل تحرسها احتمالات التعثر عند كل درجة.
وليس عبثًا ما أشار إليه القادة القدماء في فهمهم لحركة الأرض والناس. فالمعنى العميق في قول المنظّر الاستراتيجي الصيني سان تزو:
“اختبر الأرض قبل أن تدخلها لتكشف ما تخفيه.”
ليس المقصود الأرض فقط، بل كل مساحة نخطو فيها: فكرة، علاقة، قرار، أو حتى ثقة. فكم من تعثّر لم يكن بسبب الطريق، بل بسبب ما كان مخفيًا فيه.
وتأتي “الدعسة الناقصة” أحيانًا من الداخل قبل الخارج، وأحيانًا من الخارج قبل الداخل:
فقد تكون من مشاعرٍ غير مُدارة كالحقد الذي يتخفّى خلف الصمت، أو الغيرة التي تتظاهر بالحياد لكنها تزرع العثرات في الخفاء.
وقد تكون من بيئةٍ محيطة لا تحتمل نجاحك، فترى في تقدمك تهديدًا لا فرصة، فتبدأ بإبطاء خطواتك بدل دعمها.
وقد تكون من كلماتٍ صغيرة تُقال بلا وزن ظاهري، لكنها تتراكم حتى تتحول إلى حجارة في طريقك.
وقد تكون من نفسٍ لم تُحصّن جيدًا، تدخل التجربة بلا وعي كافٍ، فتتفاجأ بحدودها عند أول اختبار.
وأحيانًا، تكون ببساطة من قرارٍ لم يُدرَس بما يكفي، فيتحوّل من خطوة إلى عثرة.
ومهما تعددت الأسباب، يبقى أثرها واحدًا: لحظة تغيّر الإيقاع، وتفرض عليك إعادة النظر في كل ما ظننته ثابتًا.
الخاتمة:
في مسيرتك، لا تمشِ بعيونٍ مغلقة على الثقة، ولا باندفاعٍ يسبق الوعي. فالأرض لا تُسلّم نفسها بسهولة، والطريق لا يكشف كل أسراره دفعة واحدة.
اختبر ما أمامك قبل أن تمنحه ثقتك، وافهم ما حولك قبل أن تعتمد عليه، وتذكّر أن السقوط لا يصنعه الطريق وحده… بل أحيانًا، خطوة واحدة غير محسوبة.
فالنجاة ليست في عدم التعثّر، بل في معرفة كيف تكتشف العثرة قبل أن تقع، وكيف تنهض بعدها دون أن تفقد اتجاهك.



