بعد 42 يومًا: ماذا تغيّر فعلًا؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
ورد في أحد بنود وقف إطلاق النار بندٌ يتحدث عن فتح مضيق هرمز، وكأن هذا الأمر يُقدَّم كإنجاز أو نتيجة مباشرة للحرب. لكن عند العودة إلى الواقع قبل اندلاع المواجهات، يتبيّن أن المضيق كان مفتوحًا أصلًا، وأن حركة الملاحة البحرية وعبور الناقلات كانت تتم بشكل طبيعي، ومن دون رسوم أو قيود تُذكر كما يُطرح اليوم. وهنا يبرز السؤال المنطقي: ماذا تغيّر فعليًا؟
ماذا تحقق إذًا كي يُعلَن النصر؟
لم تستسلم إيران، ولم يسقط النظام، ولم يتم القضاء على البرنامج النووي، ولم تُدمَّر الصواريخ الباليستية أو منظوماتها، ولم تتفكك الأذرع الإقليمية كما كان يُطرح في بداية الحرب، بل إن بعض هذه الأذرع خرج أكثر تماسُكًا وصلابة.
حتى مضيق هرمز الذي ورد في بنود وقف إطلاق النار كأنه إنجاز، كان أساسًا مفتوحًا ولم يكن مغلقًا ليُقال إنه تحرّر أو أُعيد فتحه.
وعند قراءة المشهد بهدوء، يظهر أن التغيير الفعلي لم يكن في تحقيق الأهداف المعلنة، بل في حجم الخسائر التي تكبّدها الجميع، وفي إعادة رسم حدود القوة والنفوذ في المنطقة. فالخسارة البشرية والمادية كانت حاضرة بقوة، والتوازنات الدولية والإقليمية شهدت اهتزازًا، كما أن صورة القوة الكبرى التي راهن عليها البعض تعرّضت لاختبار قاسٍ خلال اثنين وأربعين يومًا، ما فتح الباب أمام إعادة قراءة أدوار الحلفاء والرهانات السياسية في المنطقة.
الواقع يشير إلى أن ما تغيّر ليس في المضيق بحد ذاته، بل في موازين الخطاب والنتائج. فحين تُطرح بنود وقف إطلاق النار من دون تحقيق الأهداف التي أُعلنت في بداية الحرب، يصبح القبول بها مؤشرًا على صعوبة تحقيق تلك الأهداف، وربما على إعادة تموضع استراتيجي فرضته الظروف الميدانية والسياسية.
في الحروب، لا يُقاس النجاح فقط بحجم القوة المستخدمة أو طول مدة المواجهة، بل بمدى تحقيق الأهداف المعلنة. فإذا انتهت الحرب من دون تحقيق هذه الأهداف، فإن ذلك يُعدّ إشارة إلى خلل في الاستراتيجية أو في تقدير الموقف، وهو أمر يحدث في كثير من النزاعات حول العالم، حيث تُفرض التسويات في نهاية المطاف كخيار أقل كلفة من الاستمرار في المواجهة.
بعد 42 يومًا من المواجهات، يبدو أن المشهد العام عاد إلى نقطة قريبة مما كان عليه قبل الحرب:
الممرات البحرية مفتوحة،
التوازنات الإقليمية شبه ثابتة،
والواقع السياسي لم يشهد تغييرًا جذريًا.
لكن ما تغيّر فعليًا هو حجم الخسائر الإنسانية والمادية. هناك أرواح فقدت، ممتلكات دُمّرت، واقتصادات تأثرت، وعائلات دخلت في دوامة الألم والانتظار. وهذا ما يجعل تقييم أي حرب لا يقف عند بنود الاتفاق فقط، بل عند كلفتها الإنسانية والاجتماعية.
إن القول بأن لا غالب ولا مغلوب بعد هذه الفترة يعكس قراءة ترى أن الحرب انتهت من دون حسم واضح، وأن التسوية أعادت الأمور إلى مسار يشبه ما كان قائمًا قبلها، مع فارق أن الجميع دفع ثمنًا باهظًا. وفي مثل هذه الحالات، يصبح الدرس الأهم هو ضرورة إعادة النظر في الاستراتيجيات، وتقديم منطق الاستقرار على منطق التصعيد، لأن الحروب التي لا تحقق أهدافها تتحول في النهاية إلى خسارة جماعية.
رحم الله من فقد حياته، وعوّض على من خسر ممتلكاته، فالأوطان لا تُبنى بنتائج الحروب فقط، بل بقدرتها على التعلّم من أخطائها، والعودة إلى طريق يحفظ الإنسان قبل أي شيء آخر.
وبعد 42 يومًا، قد يكون الدرس الأقسى أن الواقع لم يتغيّر كثيرًا، وأن المسار عاد إلى نقطة البداية، لكن بثمن أكبر مما كان متوقعًا، وأن الرهان على الحروب أو على القوى الخارجية لا يصنع نصرًا دائمًا، بل يفتح أبواب خسائر يدفع ثمنها الجميع.


