مخرج الانتصار: عندما يصبح إنهاء الحرب بطولة

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
لم يعد المشهد واضحًا كما يُقدَّم في الخطابات السياسية. يُقال إن 70% من القدرات الصاروخية الإيرانية قد دُمِّرت، ويُقال إن ميزان القوة بات محسومًا، ويُقال إن القدرة على ضرب الطاقة أو إغلاق مضيق هرمز قائمة، ومع ذلك لا يُفتح المضيق ولا تُضرب الطاقة، ولا يحصل إنزال بري، بل يجري التريّث بانتظار نتائج المفاوضات. هنا يبرز السؤال المنطقي: إذا كان الانتصار قد تحقق، لماذا لم تتوقف الحرب بعد؟
في التحليل السياسي والعسكري، الانتصار لا يُقاس فقط بنسبة الدمار أو حجم الضربات، بل بقدرة الطرف المنتصر على فرض واقع جديد وإنهاء الصراع بشروطه. وعندما يستمر التريّث في القرارات الكبرى، مثل إغلاق مضيق هرمز أو ضرب منشآت الطاقة أو خوض معارك برية، فهذا يعني أن القرار النهائي لم يُحسم بعد، وأن هناك حسابات تتجاوز الميدان العسكري إلى طاولة المفاوضات الدولية والضغوط الاقتصادية والسياسية.
التريّث في ضرب الطاقة يعني الخوف من توسّع الحرب اقتصاديًا عالميًا، لأن أي ضربة لمنشآت الطاقة ستشعل أزمة دولية كبرى. وعدم فتح مضيق هرمز أو تعطيله يدل على أن الكلفة الدولية قد تكون أكبر من المكسب العسكري. أما تأجيل الإنزال البري، فهو إقرار ضمني بأن المعارك البرية مكلفة وخطيرة، وقد تقلب موازين الحرب بدل أن تحسمها. كل ذلك يشير إلى أن الواقع أكثر تعقيدًا من إعلان انتصار سريع.
من هنا يصبح السؤال الأهم: كيف يمكن تحويل هذا التريّث إلى انتصار سياسي؟
الجواب يكمن في المخرج الذي يحفظ ماء الوجه: النزول عند رغبة الشعب الذي يريد إنهاء الحرب. فالشعوب في كل مكان، بعد أشهر من الدمار والخسائر والخوف، لا تريد سوى الأمن والاستقرار وعودة الحياة الطبيعية. وعندما يعلن القائد أنه يوقف الحرب استجابة لإرادة شعبه، فإنه لا يظهر ضعيفًا، بل يظهر مسؤولًا وقويًا.
في علم القيادة السياسية، القدرة على إنهاء الحرب في الوقت المناسب تُعدّ شجاعة لا تراجعًا. القائد الذي يقول: “حققنا أهدافنا، دمرنا القدرات العسكرية للخصم، حافظنا على أمن شعبنا، ونستجيب اليوم لرغبة شعبنا في إنهاء الحرب وبناء السلام”، يقدّم نفسه بطلًا وطنيًا لا قائدًا متراجعًا. فالتاريخ لا يذكر فقط من انتصر في المعارك، بل من أنقذ شعبه من الحروب الطويلة.
إن تحويل وقف الحرب إلى إنجاز سياسي يحتاج إلى خطاب عقلاني ومتوازن، يقوم على ثلاث ركائز: تحقيق الأهداف العسكرية، حماية المصالح الوطنية، والاستجابة لإرادة الشعب. بهذا الشكل يصبح إنهاء الحرب خطوة نحو الاستقرار، لا اعترافًا بالضعف، ويصبح التريّث قرارًا حكيمًا لا ترددًا.
في النهاية، الانتصار الحقيقي لا يكون في استمرار القتال، بل في القدرة على إيقافه في اللحظة المناسبة. فالحروب تبدأ بقرار، لكنها تنتهي بحكمة، ومن يمتلك شجاعة الحكمة يستطيع أن يحفظ ماء الوجه ويكسب احترام شعبه والعالم. لأن الشعوب لا تبحث عن خطابات الانتصار بقدر ما تبحث عن الأمان، ولا تريد إغلاق المضائق ولا ضرب الطاقة ولا المعارك البرية، بل تريد حياة كريمة ومستقبلًا مستقرًا.
إن النزول عند رغبة الشعب بإنهاء الحرب ليس هزيمة، بل مخرج شجاع يحفظ ماء الوجه ويحوّل التراجع إلى بطولة، ويجعل من قرار السلام انتصارًا أكبر من أي معركة.



