مقالات

إعادة اللحمة والمصالحة عبر قانون العفو العام

منذ نشأة لبنان الكبير وبعد الاستقلال في أربعينات القرن الماضي دأبتا كل من السلطتين التنفيذية والتشريعية في إصدار قوانين العفو العام . إذ أن واقع تكرر صدور قوانين العفو العام في لبنان اصبح واقعاً “وريتماً “منذ اربعينيات القرن الماضي و بعد أول انفجار أهلي بعد الاستقلال (ربيع 1958). فصدر بتاريخ 24/12/1958، قانون منح العفو العام عن الجرائم المرتكبة حتى 15/10/1958. ثم تبعه القانون رقم 8/69 17/2/1969 الذي منح عفوًا عامًا عن الجرائم المرتكبة قبل 1/1/1968، ومن ضمنها الجرائم التي حصلت على أثر حرب حزيران 1967. إضافة الى العديد من القوانين التي منحت عفوًا عامًا عن جرائم المطبوعات.
إلا أن أبرز قانون عفو عام في لبنان هو القانون رقم 84/91 تاريخ 26/8/1991، لأنه القانون الذي جاء بعد الحرب اللبنانية الأهلية الطويلة التي بدأت في 13/4/1975 وبقيت حتى خريف العام 1990. وقد منح هذا القانون العفو عن الجرائم المرتكبة على امتداد تلك الحرب حتى تاريخ 28/3/1991، لكن المادة التاسعة منه تركت الباب مفتوحًا أمام المزيد من إمكانات العفو لمصلحة أفراد محددين عن جرائم ارتكبت خلال ذلك الصراع الأهلي، فأعطت الحكومة سلطة استثنائية لمدة سنة ابتداءً من تاريخ العمل به لإصدار عفو خاص له مفاعيل العفو العام بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء عن كل شخص محكوم أو ملاحق بالجرائم المستثناة من هذا العفو، الواقعة على أمن الدولة الداخلي أو الخارجي والمرتكبة قبل 28/3/1991. واستنادًا الى ذلك صدرت عدّة مراسيم بين العامين 1991 و2005.

المراجع:
• د. سمير عالية:
أصول قانون العقوبات، القسم العام.منشور في مجلة الجيش https://www.lebarmy.gov.lb/ar/content/355-m

إعداد: د. نادر عبد العزيز شافي
(محام بالإستئناف)
الآن ينظر مجلس النواب في مشروع قانون عفو عام آخر ، أسبابه الموجبة قد تختلف عن الأسباب الموجبة لقانون العفو العام الصدر عام ١٩٤٩ وما تلاه من قوانين مماثلة ” 1: يمنح عفو عام عن الجرائم المقترفة قبل 21 ايلولسنة 1949 وفقا للشروط المبينة في هذا القانون, سواء قضت بها المحاكم العادية او المحاكم الإستثنائية.”.
إلا ان الهدف العام هو واحد أي إعادة إنتظام سير المجموعات اللبنانية التي تؤمن بلبنان ووحدة أراضيه و خرجت على القوانين الناظمة وعن العيش المشترك بين طوائفه بالمساواة والعدل ضمن إطار القوانين الأعراف اللصيقة باللحمة اللبنانية اي الوحدة مع التعدد ، لأسباب ليست كلها جرمية او مقصودة ، بل كانت مدفوعة بظروف داخلية واقليمية أملت تلك التصرفات الجرمية أو الخاطئة ،. ورغم أن بعض مواد تلك القوانين تجاوزت هذا الهدف باقرار العفو العام عن جرائم عادية حكم على مرتكبيها من محاكم جزائية.
ولن ندخل في تفاصيل تلك القوانين . بل سنحاول استكناه الهدف الأساسي من مشروع القانون المعروض على الهيئة العامة للمجلس حالياً .
الجرائم المشمولة ،والأفراد الموقوفين غير المدانين بعد حبسهم لأربعة عشر عاما دون محاكمة لجرائم ، تمثل نفس الجرائم تقريباً التي صدرت قوانين العفو السابقة المشار اليها .
بما في ذلك و بعد طولِ انتظارٍ وترقّب، خرجَ اقتراحُ قانون العفو العام من أروقة اللجان النيابية المشتركة بصيغته المعدلة ، ليرسمَ ملامحَ مرحلةٍ استثنائية تسعى لإعادة التوازن إلى النظام الجزائي الإنساني، ومعالجة أزمة اكتظاظ السجون والخلل الناجم عن تأخر الأحكام القضائية.

إلى جانب هذه البنود، تضمن القانون تفاصيل إجرائية بالغة الأهمية؛ حيث نصّ على إعفاء السجناء الذين أمضوا محكوميتهم وما زالوا وراء القضبان فقط لعدم قدرتهم على تسديد الغرامات المالية.

وفي مقلبٍ آخر، وضع القانون ضوابط صارمة عبر استثناءٍ كليٍّ لجرائم الإرهاب، والقتل عمداً، والفساد، وتبييض الأموال، والجرائم المصرفية التي تمس أموال المودعين. كما حدد الاقتراح مصير السجناء غير اللبنانيين المستفيدين من العفو، بإلزامية تسليمهم فوراً إلى المديرية العامة للأمن العام لإجراء المقتضى القانوني بحقهم. ( ليبانون ديبيت )
الخلاصة :
لا يمكن اصدار قانون عادل بالإعفاء او العفو العام يشمل المسجونين دون محاكمة لمدة خمسة أو أربعة عشر عاما دون محاكمة ، عن جرائم ارتكبوها ومتهمين فيها ( المسجونين الإسلاميين)وتتعلق بالاعتداء على أمن الدولة وخلافها ، ( وهي مثل الجرائم التي تم ارتكابها في الحرب الأهلية وحكم على مرتكبيها أو لم يسجنوا وصدر قانون العفو المشار اليه اعلا عام ١٩٩١) لا يمكن مماثلتهم مع المحكومين او الهاربين من العدالة إلى دولة معادية او اي عفو آخر.
ذلك ان إعادة اللحمة الوطنية وسير العيش المشترك بانتظام واضطراد يوجب الإفراج عن هؤلاء المسجونين فورا ، لانه لا يجوز حبسهم بمجرد اتهامهم ودون محاكمتهم إلى الان. و يجب عدم ربطهم بعناصر عفو عام لمتهمين آخرين ، سواء عن طريق ابتزاز او مبدأ الستة المكررة التي عفى عنها الزمن واستهجنت  بمادة دستورية لم تطبق إلى الان :

المادة 95 (عدلت بموجب 18 /1990)
تاريخ بدء العمل : 21/09/1990

على مجلس النواب المنتخب على اساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الاجراءات الملائمة لتحقيق الغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية, تضم بالاضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية.
مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية .”
ان تقاعس هيئة مجلس النواب اللبناني عن تطبيق وتنفيذ هذا النص الدستوري لا يبرر له التلاعب بمصير إخلاء سبيل المسجونين الإسلاميين فورا بمعزل عن المساومات والهمهمات و العنعنات السياسية التي إن تلاشت وتوحد مجلس النواب بتبني الإفراج الفوري عن السجناء الإسلاميين دو ن محاكمة سيؤدي إلى شد أواصر التلاحم والمحبة بين جميع مكونات المجتمع اللبناني وهو هدف مرتجى وجدير بإحترامه وتنفيذ مقتضياته ، مع العمل على استكمال بحث عناصر مشروع مواد قانون العفو العام الأخرى بالتتابع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى