مقالات

هل هناك من “أبو عمر” آخر تدخّل واتصل وفرض وطلب وهدّد فصوّت بعضهم قبل الظهر على مسودّة قانون العفو العام ثم عادوا بعد الظهر وتراجعوا؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

وهل بات القرار الوطني يُصنع تحت الضغط والخوف والحسابات الضيّقة، لا تحت سقف العدالة والدستور ومصلحة الناس؟
لقد كتبنا سابقًا:
“الفتنة تقرع الأبواب… فلا تفتحوا لها”.
وها هي اليوم تعود لتقرع بقوة أكبر، وسط خطابٍ متشنّج، واحتقانٍ متصاعد، واستغلالٍ خطير لمشاعر الناس وآلامهم ودمائهم.
إنّ أخطر ما يمكن أن تصل إليه الأوطان هو حين تتحوّل القوانين إلى مادة ابتزاز، والعدالة إلى ساحة مساومات، والشارع إلى وسيلة ضغط على الدولة ومؤسساتها. عندها لا يعود الخطر محصورًا بقانون أو جلسة أو تصويت، بل يصبح الخطر على فكرة الدولة نفسها.
قانون العفو العام ليس تفصيلًا عابرًا، لأنّه يمسّ حقوق الضحايا، ووجع الأهالي، ودماء العسكريين، ومصير الموقوفين، وثقة الناس بالقضاء. لذلك لا يجوز أن يُناقش تحت التهديد أو التحريض أو شدّ العصب الطائفي والمناطقي. فالعدالة لا تُبنى بالغضب، ولا بالسلاح، ولا بقطع الطرقات، ولا بإشعال الشارع.
نعم، هناك مظلومون في السجون يجب إنصافهم، وهناك من أمضى سنوات من دون محاكمة عادلة، وهناك ملفات تحتاج إلى معالجة قانونية وإنسانية عاجلة. لكن بالمقابل، هناك أيضًا حقوق لا تسقط، وجرائم لا يمكن تبييضها تحت أي عنوان، وإلا تحوّل العفو من فرصة للإنصاف إلى ضربة قاسية لما تبقّى من هيبة الدولة.
إنّ اللعب على حافة الفتنة أخطر من أي مكسب سياسي مؤقت. والتاريخ اللبناني علّم الجميع أنّ الشرارة تبدأ بكلمة، ثم تتدحرج نارًا لا تُبقي ولا تذر. لذلك، على المسؤولين والقوى السياسية والدينية والإعلامية أن يدركوا أنّ خطاب التحريض قد يفتح أبوابًا يصعب إغلاقها لاحقًا.
أما لبنان، هذا الوطن الذي دفع أثمان الانقسامات والحروب والرهانات، فلا يحتاج اليوم إلى من يجرّه نحو الانفجار مجددًا، بل إلى من يحمي ما تبقّى من استقراره ووحدته.
وإن حصل، لا سمح الله، وفُتحت أبواب الفتنة…
فعلى ١٠٤٥٢ كيلومترًا السلام .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى