مقالات

أزمة الطموح السياسي لدى المسيحيين في لبنان: بين الانقسام وتآكل الرؤية..

بقلم// د. جوزف س. عبيد*

يبدو أنّ الطموح السياسي لدى جزء واسع من المسيحيين في لبنان قد انحسر، في السنوات الأخيرة، إلى مجالات ضيّقة لا تتجاوز الفوز بمصلحة طلابية هنا أو نقابة هناك. هذا التحوّل لا يعكس فقط تراجعًا في الفعل السياسي، بل يكشف أيضًا أزمة أعمق مرتبطة بغياب رؤية استراتيجية لدى القوى التي يُفترض أن تقود المشهد، وتوجّه طاقات جمهورها، وتحمي حضورهم التاريخي في هذه الأرض.

غير أنّ جوهر الأزمة لا يكمن فقط في ضيق الأفق السياسي، بل في الانقسام المسيحي العميق الذي بات السمة الأكثر حضورًا في الحياة العامة. فبدل أن تتحوّل التعدّدية السياسية إلى عامل غنى وتوازن، انزلقت إلى صراعات حادة تستنزف الطاقات وتبدّد الإمكانات. وهكذا أصبحت الساحة المسيحية ساحة تنافس داخلي دائم، تُستهلك فيها الجهود في مواجهة بعضهم البعض، بدل توجيهها نحو معالجة التحديات الوطنية الكبرى.

إنّ هذا الانكفاء إلى الهوامش لا يجيب عن الأسئلة الكبرى التي تواجه الوجود المسيحي:
كيف يمكن صون البقاء؟
كيف تُبنى سياسات آمنة واقتصاد مستقرّ؟
كيف يُعاد ترميم الثقة بالدولة؟
فالنقابات والمصالح الطلابية، مهما بدت مهمّة في بعض السياقات، لا يمكن أن تعالج الأزمات البنيوية التي يعيشها اللبنانيون عمومًا والمسيحيون خصوصًا: لا تخفّض الأقساط المدرسية، ولا تؤمّن الطبابة، ولا تحمي المجتمع من الهجرة، ولا تُعيد تنظيم الاقتصاد أو الدولة. ما يحصل أقرب إلى استبدال معركة الوجود بمعارك شكلية تُشبه الجوائز التعويضية.

لكن الأخطر من ذلك هو أن الانقسام الداخلي بات يُضعف القدرة الجماعية على التأثير. فحين تتشتّت القيادة وتتنازع المرجعيات، يفقد الجمهور البوصلة، وتضيع الأولويات، ويتحوّل العمل السياسي إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة بدل أن يكون مشروعًا متكاملًا للمستقبل.

لقد شبع الناس من الخطابات التحريضية، ومن تبادل الاتهامات، ومن الاستثمار في الانقسام كوسيلة تعبئة. تعب الجمهور من معارك الزعامة الصغيرة، ومن سباق إثبات من هو الأقوى داخل البيت الواحد، فيما التحديات الكبرى تتراكم بلا أجوبة.

السؤال الحقيقي الذي يطرحه كثيرون اليوم لم يعد: من يربح جولة سياسية هنا أو هناك؟
بل أصبح: من يملك رؤية لإنقاذ الدور، وترميم الثقة، وإعادة جمع ما تفرّق؟
إنّ أي مشروع سياسي مسيحي جدّي لا يمكن أن يقوم على إلغاء الآخر أو محاصرته، بل على إعادة بناء حدّ أدنى من التفاهم الداخلي يتيح الانتقال من منطق الصراع إلى منطق الشراكة في حماية الوجود والدور.

في لحظة كهذه، يصبح من الطبيعي أن يبحث قسم من الرأي العام عن مرجعيات قادرة على لعب دور الضامن للاستقرار الوطني، سواء في رئاسة الجمهورية او قيادة الجيش ، التي بقيت حتى الآن خارج لعبة الانقسامات.
لكن الحقيقة تبقى واضحة: لا يمكن لأي مؤسسة أن تعوّض عن وحدة القرار داخل المجتمع نفسه.

فالوجود لا يُصان بالشعارات، ولا تُبنى الأدوار بالتناحر، بل برؤية مشتركة وإرادة سياسية تعرف كيف تجمع قبل أن تنافس، وكيف تبني قبل أن تهدم.

وإلى أن يتحقّق ذلك، سيبقى السؤال معلّقًا في أذهان كثيرين:
هل يتحوّل الانقسام المسيحي إلى قدر دائم، أم إلى لحظة وعي تسبق إعادة بناء الدور؟

*عميد ركن متقاعد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى