لبنان بين وقف النار المعلّق وتعطّل التفاوض الإقليمي: حرب بلا قرار ونصر بلا تعريف

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في المشهد اللبناني الحالي، لا تبدو التطورات مجرد تهدئة بعد تصعيد، بل جزء من حالة أوسع عنوانها: إدارة صراع طويل لا يملك أحد القدرة على إنهائه بشروطه. وقف إطلاق النار يُمدَّد، مسارات التفاوض تتعطل، والمشهد الإقليمي يُعاد فرزه ببطء على وقع تأجيلات متتالية، أبرزها إعلان الولايات المتحدة تأجيل المفاوضات مع إيران إلى أجل غير مسمى.
هذا الإعلان ليس تفصيلًا دبلوماسيًا، بل هو عمليًا اعتراف بأن الإطار السياسي للحل غير مكتمل أو غير متفق عليه بعد.
أولًا: لبنان على خط تماس بلا نهاية واضحة
ميدانيًا، الجنوب اللبناني يعيش حالة “خفض تصعيد” لا ترقى إلى سلام، ولا تنزلق إلى حرب شاملة:
توقف العمليات الكبرى
استمرار احتكاكات محدودة
بقاء الجبهة قابلة للاشتعال
هذا الوضع لا يصنع استقرارًا، بل يخلق ما يمكن تسميته هدنة غير محسومة، أي وقف نار بلا أفق نهائي.
ثانيًا: تأجيل أميركي/ إيراني يجمّد الإقليم
إعلان تأجيل المفاوضات الأميركية/الإيرانية إلى أجل غير مسمى هو نقطة التحول الأهم.
لأنه يعني:
لا إطار تفاوضي ناضج بعد
لا تصور مشترك لشكل التسوية
ولا قدرة على ربط ساحات النزاع ضمن صفقة واحدة
وهنا تصبح الساحة اللبنانية جزءًا من انتظار أكبر:
انتظار اتفاق إقليمي لم يولد بعد، وليس مجرد ترتيبات محلية مؤقتة.
بمعنى آخر، لبنان لا يعيش هدنة فقط، بل يعيش تجميدًا في القرار الإقليمي.
ثالثًا: ماذا يعني “عدم الحسم” في هذا السياق؟
القول إن ما يجري هو “عدم قدرة على الحسم” صحيح جزئيًا، لكنه لا يشرح الجوهر.
الأدق أننا أمام:
تعليق متبادل للحسم، وليس عجزًا عنه
لأن:
كل طرف يملك أدوات التصعيد
لكن لا يملك أدوات إنهاء الحرب بشروطه
والقرار النهائي أصبح خارج ساحة واحدة
أي أن الحسم لم يُلغَ، بل أُجِّل مع كل المسارات السياسية.
رابعًا: كيف يُفهم “النصر” في حرب مؤجلة؟
في هذا النوع من النزاعات، “النصر” لا يعود إعلان نهاية حرب، بل يصبح إعادة تعريف للنتيجة.
يمكن قراءته بثلاث طبقات:
نصر المنع: منع الخصم من تحقيق أهدافه
نصر البقاء: الاستمرار كفاعل بعد الحرب
نصر التأثير: فرض الذات في أي تسوية مستقبلية
وهنا تصبح المفارقة واضحة:
كل طرف قد يعلن النصر، ليس لأنه حسم المعركة، بل لأنه ضمن موقعه في ما بعد المعركة التي لم تنتهِ أصلًا.
خامسًا: لماذا يتزامن وقف النار مع تعطيل التفاوض؟
التزامن بين تمديد وقف إطلاق النار في لبنان، وتعطيل المسار الأميركي /الإيراني، ليس صدفة.
بل هو تعبير عن معادلة واحدة:
لا حرب شاملة لأن التفاوض لم يكتمل، ولا سلام لأن التفاوض متعطل
أي أننا أمام نظام إدارة أزمة، لا نظام إنهاء أزمة.
الخلاصة
ما يجري اليوم ليس هدنة في حرب انتهت، ولا حربًا تتجه إلى حسم، بل حالة وسطية طويلة:
تعليق سياسي /عسكري شامل، ينتظر تسوية إقليمية لم تُولد بعد
في هذا السياق، يصبح “النصر” مفهومًا رماديًا: ليس حدثًا يُعلن، بل رواية تُبنى فوق واقع غير محسوم.
والأخطر أن كل تمديد، سواء لوقف النار أو لتعطيل المفاوضات، لا يقرّب الحسم… بل يؤكد أن الجميع ما زال في المرحلة نفسها: إدارة الوقت بدل إنهاء الصراع.



