إستشهاد الكلمة امال خليل: إبنة الجنوب الجريح

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
في لحظة يتوقف فيها الخبر عن كونه خبرًا، ويصبح شهادة مفتوحة على الألم، يغدو الوداع محاولة يائسة للإمساك بما لا يُستعاد. امال لم تعد مجرد اسم في سياق التغطية الإعلامية، بل أصبحت عنوانًا صارخًا لمعنى أن تُقال الحقيقة حتى نهايتها.
لم تكن امال خليل مجرد إعلامية تعبر فوق الأحداث، بل كانت تنزل إلى قلبها بلا تردد، حيث يخفّ الضوء ويعلو الخطر. كانت تسير عكس حركة الجميع: حين كان الآخرون يبتعدون عن مناطق النار، كانت هي تتقدم نحوها، لا بحثًا عن صورة، بل بحثًا عن حقيقة يجب أن تُقال مهما كان ثمنها. حملت الميكرو لا كأداة مهنية، بل كنداء يصل ما انقطع بين الناس والوجع، وكأن الصوت وحده يمكن أن يوقف الانهيار أو يمنع طمس الحقيقة.
إبنة الجنوب الجريح كانت تدرك معنى الأرض التي تنتمي إليها، ومعنى أن يكون الإنسان شاهدًا لا متفرجًا. لذلك لم تكتفِ بنقل المشهد، بل عاشت انكساره، وواجهت قسوته، ورفضت أن تمرّ عليه كعابرة بلا أثر.
إستشهادها ليس حدثًا عابرًا في سجل الإعلام، بل جرح في ضمير الكلمة نفسها. هو لحظة يُطرح فيها السؤال الأصعب: ماذا تبقى من الحقيقة إذا سقط من يقولها؟ وماذا يبقى من المشهد إذا غاب من ينقله من قلبه لا من فوقه؟
آمال خليل اليوم ليست غائبة كما يُقال عن الغياب، بل حاضرة في كل صورة لم تُلتقط، في كل صرخة لم تجد من يسمعها، وفي كل لحظة صمت فرضها الخوف على الحقيقة. حضورها صار أعمق من الحياة، لأن بعض الأرواح لا تُقاس بزمنها، بل بما تركته من أثر.
في وداعها، لا تكفي العبارات الجاهزة. لأن ما حدث ليس فقدًا لشخص فقط، بل فقدان جزء من جرأة النظر إلى الواقع كما هو. ومع ذلك، يبقى اسمها شاهدًا على أن الصحافة حين تصدق، قد تدفع أثمن ما تملك.
رحم الله امال خليل، ابنة الجنوب الجريح، وجعل من اسمها أثرًا لا يُمحى في ذاكرة الحقيقة، ودليلًا على أن الكلمة حين تُقال بصدق… قد تُستشهد، لكنها لا تموت…
جوزف س. عبيد



