عظماء الأمّة
بقلم// رفعت ابراهيم البدوي
شهدت صفحات تاريخ امتنا العربية تدوين أسماء قادة عظماء أجبروا التاريخ على تحويل مسار الإستعمار والإستعباد الى مسار التحرر و النهضة الاجتماعية، أولئك الذين قهروا ذلّ وهوان شعوبهم، واستعادوا حقوق أوطانهم بفضل وعيهم المتقدم وقراءاتهم العميقة لحقبات التاريخ، وبفضل إدراكهم أهمية نتائج ثورة الشعوب ضد الاستبداد والعبودية، و بأن الطريق الوحيد لتحقيق التحرر هو طريق النضال ومقاومة المستعمر و بذلك فقط يمكن بلوغ تحرير ثروات اوطانهم وشعوبهم من سطوة قوى الاستعمار رغم الضغوط والتهديدات الدولية والإقليمية..
هؤلاء العظماء وخلال مسيرتهم المشرفة تعرضوا للخسارة، الا انهم أبوا التسليم بالهزيمة حتى وهم على حبل المشنقة، كما رفضوا المساومة على كرامة وسيادة أوطانهم، وارتقوا بشعوبهم لمستوى الأمّة، وانتزعوا لهم موقعاً مميزاً بين الأمم المتحررة، بعدما اخذوا على عاتقهم مهمة الريادة لاستنهاض وعي وتطور شعوب الأمة سياسيا واقتصادياً واجتماعياً، فنهضوا بأوطانهم إلى حقبات من العزة والكرامة بعدما انحازوا لصالح حقوق الشعوب فكانت النتيجة اعادة صياغة صفحات تاريخ الأمم المحررة..
معظم هؤلاء العظماء أدركوا باكراً لعبة الأمم وخطرها القادم على امتنا ومنطقتنا، فما كان منهم إلا ان سخّروا افكارهم المتقدمة المستقاة من دروس التاريخ وجعلوا منها ميثاق دستور يسهم في تطوير المجتمع عبر انصهار كل الاديان والطوائف والمذاهب تحت راية وحدة المسار والمصير بهدف توحيد شعوب المنطقة وجعلهم أمة واحدة، وذلك لتمكينهم من مواجهة نوايا الغرب المنطوية على مخطط تقسيم دول منطقتنا، و للحؤول دون تحويل أمتنا إلى شعوب متناحره و أيضاً لتجنّب مخاطر تفتيت أوطاننا وتحويلها إلى مناطق وعوازل عشائرية و طائفية ومذهبية وعرقية داخل الوطن الواحد..
هؤلاء العظماء منهم من مات ومنهم من أعدم عمداً ومنهم من اغتيل غيله وهم في أوج عطائهم الفكري المرتكز على الصمود بوجه المحتل رغم فوارق الامكانات ورغم اختلال ميزان القوة مقابل الاعداء، ومنهم استشهد وهو في موقع الريادة فكان مصراً على قيادة معركة التحرر حتى في خضم حرب ضروس ضد اعداء الأمة..
هؤلاء العظماء قدموا لنا مدرسة في التضحية و الإباء المبني على إيمان ثابت بسلوك درب الكفاح و النضال ورفض الهيمنة ومقاومة المستعمر كسبيل أوحد لتحقيق آمال وتطلعات الشعوب، وصولا إلى توحيد قومية وهوية المنطقة العربية و الارتقاء بشعبها إلى مرتبة ألأمه ذات المصير الواحد، وذلك لأجل تأمين مستقبل متحرر واعد لأجيال الأمة..
مما لا شك فيه ان الهم الأسلس الذي انبثق منه مشعل الفكر الوقاد لهؤلاء العظماء كان تصحيح التاريخ، ورفض الإمتثال لتاريخ مغسول من الحق و الحقيقة، يروّج له الغرب لصالح الإحتلال الاسرائيلي لفلسطين، تارة عبر محاولات غسل أدمغة أجيالنا وإقناعهم بتاريخ مسموم يؤدي الى الغاء الهوية القومية العربية، وتارة اخرى عبر التهديد بالقوة العسكرية أو الإقتصادية..
إلا أن الثابت بمسيرة هؤلاء العظماء، قناعتهم الراسخة بأن اللجوء إلى التفاوض أو للصلح أو للتطبيع أو الاعتراف بالكيان الصهيوني، لن يضمن للشعب العربي حقوقه المشروعة، ولا يمكن أن يحقق السلام والإزدهار لأمتنا، ولا يمكن أن يعيد للفلسطينيين شبراً واحداً من فلسطين التاريخية، الأمر الذي زاد من رسوخ إيمانهم بأن السبيل الوحيد لاسترداد الحق الفلسطيني وتحرير فلسطين من الاحتلال و تحرير بلادنا العربية من الهيمنة الغربية، هو دعم كل أشكال التحرر عبر سلوك درب المقاومه..
بالنظر الى حال أمتتا اليوم فلقد بات جلياً أن أمتنا العربية اضحت بلا عظماء، بل انها صارت أمة مبعثرة وشعوبها متناحره و مجتمعاتها مفككه، وأن الهم الأساس لحكام دول أمتنا هو التواطؤ لصالح تحقيق مشروع اسرائيل الكبرى، عبر التآمر على كل حركات المقاومة و التحرر، و اللجوء الى إصدار قرارات حكومية تحظر كل أشكال المقاومة ضد احتلال جائر، لا بل تراهم حكام برتبة وكيل حصري لتنفيذ ما يخطّه و يرسمه الغرب لبلادنا، مهمتهم الرئيسية استجلاب وتسهيل ممارسة ثقافة الفساد الأخلاقي الآتي من الغرب المستعمر، هذا الفساد الذي يهدد باندثار هويتنا وثقافاتنا وحتى لغتنا، وذلك تحت عناوين الحرية وحقوق الانسان و الديمقراطية وحرية التعبير، حتى ولو اقتضى ذلك تشريع الشذوذ الجنسي بين مجتمعاتنا و في بلادنا العربية، ولذلك فرضوا على شعوبنا التلقيح بثقافة الغرب الفاسدة و المفسدة لفكر الانسان العربي لوضعنا في خانة العبيد، وبذلك تم تدمير ثقافتنا وتمزيق تاريخنا والغاء هويتنا واصبحنا أمة هالكة بلا هدف وبلا قضية..
هذه الأمة مر عليها رجال عظماء وضعوا رؤاهم وافكارهم لأجل أجيال لم تولد بعد، لكن الحقيقة المرّه تكمن باهمال جيلنا الحاضر لانجازاتهم المجيدة، بل اننا تخلّينا عنها، لقاء مراكز ومناصب رفيعة في السلطة، ونستطيع القول اننا أمعنّا بخيانة هؤلاء العظماء وفرطنا بهويتنا و بثقافتنا وتاريخنا، الأمر الذي حوّلنا إلى عشائر و مكونات مذهبية وطائفية ولاؤها للمستعمر أو لارادة المحتل و بعيداً عن أي إنتماء وطني، و بذلك لم نعد تستأهل لقب الأمة ..
نقولها بوضوح نحن بحالة تفكك وطني نشهد على اغتيال اوطاننا، وبحالة إنفصام تام عن تاريخ مجد هذه الامة، وفي حالة إنكار لتضحيات عظمائها، وصرنا في حال خنوع واستزلام وقبول بالذل والاستعمار، بل إننا فقدنا الجرأة على مناهضة ما يرسم ويخطط لنا، الأمر الذي سمح بوضعنا في خانة السمع والطاعة لارادة الاميركي الاسرائيلي، ولو على حساب سيادة أوطاننا وعلى حساب كرامة وتاريخ وثقافة شعبنا، بعد ان قمنا بازهاق أمجاد أمتنا وتبرأنا او تنكرنا لتاريخنا…
رغم غياب عظماء أمتنا ورغم جبروت الأعداء ورغم العجز واختلال ميزان القوة الذي يتحكم بنا ورغم سواد المشهد وعدم وضوح الرؤية الضامنة لمستقبل اجيالنا، إلا أن ما يجري في منطقتنا من احداث و ومتغيرات تاريخية، فإن تلك المتغيرات و الاحداث، تعتبر الفرصة الأخيرة لتحقيق الصحوة عبر تشكيل نظام عربي واقليمي جديد، يعيد امجاد أمتنا، من خلال العبور نحو انتفاضة فكرية وثقافية حقيقية عابرة للأديان وللطوائف والمذاهب، إنتفاضة عمادها استعادة تاريخ و كرامة شعبنا وسيادة بلادنا العربية، عبر الالتزام بحرية وحقوق شعبنا، وبقضايانا المصيرية وفي مقدمها القضية الفلسطينية، وذلك بسلوك درب مقاومة الإحتلال و رفض الإستسلام ورفض الإذعان للسياسات وللمخططات الاسرائيلية الغربية الهدامة و مهما كانت التضحيات..
عظماء الأمة رحلوا عنا لكن العودة الى تاريخهم والتمسك بنهجهم، هو السبيل الوحيد للنهوض من كبوتنا الفكرية العقائدية، ذلك من شأنه تصحيح التاريخ المزوّر ويتيح لأجيالنا التعرف على عظيم ما صنع عظماء امّة خالده، وهذا ما يثبت للعالم و بما لا يقبل الشك باننا أمّة ولاّده و في قلب صناعة التاريخ، وأنه رغم قسوة غياب أو تغييب عظماء امتنا، لكن أرواحهم وافكارهم وتوصياتهم قد ولدت بعد موتهم..٠
محاضرة ألقيت في مجمع الفكر العربي



