مقالات

مطار بيروت بين تحذير الوزير ونفي إسرائيل: من يناور على حافة الكلمات؟

بقلم// د. جوزف س. عبيد*

في لحظة إقليمية مشحونة، خرج وزير خارجية لبنان ليحذّر من احتمال أن تقدم إسرائيل على قصف مطار بيروت. لم تمضِ ساعات حتى صدر النفي الإسرائيلي: لا نية لاستهداف البنى التحتية، وتحديدًا المطار.
بين التحذير والنفي، لا تقف الحقيقة العسكرية بقدر ما تقف السياسة، ووراء السياسة تقف حسابات الردع والخوف والرسائل المتبادلة.
ليس مجرد مدرج طائرات
مطار بيروت الدولي ليس منشأة عادية.
هو:
المنفذ الجوي الوحيد للبنان
شريان السياحة والاغتراب
بوابة الاقتصاد المنهك
ورمز سيادي للدولة
إدخاله في دائرة التهديد ولو كلاميًا يعني إدخال لبنان كله في غرفة القلق.
أولًا: ماذا أراد الوزير؟
قد يكون الوزير مارس واحدًا من ثلاثة أدوار:
تحذير استباقي داخلي:
إيصال رسالة للقوى اللبنانية بأن أي انزلاق عسكري قد يعرّض البلاد لخطر استهداف منشآت سيادية.
نقل أجواء ديبلوماسية غير معلنة:
أحيانًا تصل رسائل عبر قنوات دولية، فيتم تسريبها بصيغة “احتمال” لتبرئة الذمة السياسية.
رفع سقف التحذير لحشد موقف دولي:
فكلما كبر الخطر، كبرت الحاجة إلى تدخل وضغط خارجي.
لكن يبقى السؤال:
هل يُطرح سيناريو بهذا الحجم من دون معطيات دقيقة؟
ثانيًا: لماذا نفت إسرائيل؟
النفي الإسرائيلي لا يمكن قراءته باستخفاف.
فهناك احتمال جدي أن تكون إسرائيل فعلًا لا تريد استهداف البنى التحتية اللبنانية، وخصوصًا المطار، للأسباب التالية:
استهداف منشأة مدنية يفتح باب الإدانة الدولية.
قصف المطار يُعتبر توسعة للحرب إلى مستوى استراتيجي.
المساس بالبنى التحتية قد يدفع إلى ردود فعل إقليمية أوسع.
إسرائيل تاريخيًا تفضّل توجيه ضربات “موضعية” لا ضرب شرايين مدنية كبرى، إلا في ظروف حرب شاملة.
بمعنى آخر:
قد يكون النفي صادقًا، لأن الحسابات لا تخدم هذا الخيار حاليًا.
ثالثًا: من يناور؟
نحن أمام ثلاث فرضيات:
الوزير يرفع سقف التحذير لتفادي الأسوأ.
إسرائيل تنفي لتثبيت معادلة عدم التصعيد.
أو كلا الطرفين يمارس سياسة الردع بالكلمات.
في السياسة، أحيانًا تُطلق الجملة لتمنع الصاروخ.
وأحيانًا تُطلق لتذكير الجميع بأن الصاروخ موجود.
هل التصريح صحي؟
الدبلوماسية فنّ تخفيف المخاطر لا تعميمها.
حين يُطرح احتمال قصف منشأة حيوية:
تتأثر شركات الطيران
ترتفع كلفة التأمين
يضطرب المستثمر
يقلق المغترب
فإن لم يكن الكلام مبنيًا على معلومات دقيقة، يصبح مخاطرة بحد ذاته.
أما إذا كان تحذيرًا مبنيًا على معطيات، فربما هو محاولة لردع مبكر.
الخلاصة:
قد لا تكون إسرائيل راغبة فعلًا في قصف مطار بيروت.
وقد يكون الوزير أراد أن يقول للبنانيين: “احذروا الانزلاق، فالثمن سيكون فادحًا.”
بين التحذير والنفي، يبقى الثابت الوحيد:
لبنان لم يعد يحتمل حتى ترف الكلمات الثقيلة.
ففي بلد هشّ اقتصاديًا وسياسيًا،
الكلمة قد تهزّ المدرج قبل أن تهبط عليه الطائرات.
والمطلوب اليوم ليس تبادل الرسائل،
بل تثبيت معادلة واضحة:
تحييد البنى التحتية المدنية عن أي حساب عسكري… قولًا وفعلًا.

*عميد ركن متقاعد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى