الاعتصام ماركة لبنانية مسجلة
بقلم// الشيخ مظهر الحموي*
ما من بلد في العالم يحسد لبنان الأخضر على مسلسل أزماته ومشكلاته على مختلف الصعد والمستويات .
هذا البلد الذي كان مضرب المثل في تماسكه وتعايشه وإستيعابه لكل حدث يمكن أن يؤثر على هدوئه واستقراره .
وليس خافيا على أحد زحمة هذه الأحداث التي تتراكم يوميا لا تجد لها حلا لأن هناك فئات إستعصت على الإنتظام العام ولم تأبه بأي قانون أو سلطة ، ليس فقط كذلك، وانما الخلل يكمن في الصراعات السياسية العنيفة و التي راحت تشل عمل المؤسسات الحكومية ، وتتصرف على حسب مصلحتها، الأمر الذي أدى إلى ما يشبه الفلتان من كل حدب وصوب .
ولم يشهد اللبنانيون مثل هذه الفترة، اضطرابات وتوترا وقلقا سيطر على النفوس جراء الفوضى السياسية والأمنية ومدى الإرتباك الذي أصاب المسؤولين .
وماذا عن هذا المواطن الدرويش الذي ينوء بشتى انواع الضغوطات الإقتصادية والنفسية دون أي بارقة أمل تريحه وتطمئنه الى مستقبل عياله . ماذايفعل إزاء التحديات المختلفة سوى أضعف الإيمان الذي صار شائعا في طول البلاد وعرضها وهو تنفيذ الاضرابات التى تتمترس خلف الدواليب المحترقة وقطع الطرقات وكل له مطلبه وقضيته الملحة .
ولقد بات هذا المشهد الناري خبرا عاديا ، وليته أدى إلى نتيجة ما ، بل على العكس فإن المسؤولين كانوا يزدادون تعنتا وعنادا ، فلا كهرباء تحسنت ولا زيادات على الرواتب أدت الى تحسين حالة المواطن وإنما المزيد من الضغوطات والسجالات الصاروخية بين فرقاء السياسة دون أي وقفة ضمير ،عما جنت أياديهم بحق المواطنين.
ولذلك بدأ أصحاب المطالب يصعدون أسلوب إحتجاجهم فلجأوا إلى اسلوب الإعتصام في الساحات العامة ، ورغم ذلك بقيت الدولة صماء عمياء بكماء لا تحرك ساكنآ لتستفسر من المعتصمين عن أسباب إعتصامهم أو ربما تحاورهم لتتلمس حقوقهم ، ولكنها تطلق الوعود الكمونية مراهنة على مللهم ويأسهم من إستمرار الإعتصامات، وبات كل صاحب حجة معتصما وأصبح كل لبناني يعتصم عند نفسه ولا من مجيب.
الاعتصام لغة ، التمسك بقوة كما في قوله تعالى { وَٱعۡتَصِمُوا۟ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِیعࣰا وَلَا تَفَرَّقُوا۟ۚ …
والاعتصام إصطلاحأ على الطريقة اللبنانية هي الاضراب حتى تحقيق مطالب المعتصمين المتمسكين بما يطالبون به .
والفعل إعتصم بات من أكثر الأفعال شهرة في الصحف ونشرات الأخبار ، وقد كان له وهج وبريق مذ ان بدا إعتصام قوى ٤ا آذار في ساحة الشهداء، وبعدها إعتصام ٨ آذار في ساحة رياض الصلح ، وإتسعت شهرة هذا الفعل أي إعتصم، مع بدايات الربيع العربي …
وعندنا في لبنان بدأ أصحاب المطالب يلجاؤن إلى الإعتصام عند المسؤولين عن تحقيق هذه المطالب بالتي هي أحسن ، لذا كانوا يعمدون إلى إعتصام حتى قبل إعطاء المسؤولين مهلة لدراسة هذه المطالب.
منذ سنوات إعتصم المجلس النيابي وأغلق أبوابه في وجه النواب، ومن قبل إعتصم عدد من الوزراء لينفرط عقد الحكومة.
وهكذا إعتصامات وإضرابات من كل الشعب ولأجل قضايا مختلفة ، ولكل فئة أسلوب في إعتصامها، ووسائله ومراميه .
فمن إعتصام الأساتذة المتعاقدين الذين يطالبون بالتثبيت ودفع رواتبهم المستحقة
الى إعتصام الأساتذة المتعاقدين في الجامعة اللبنانية والذين يطالبون أيضا يإدخالهم الملاك الجامعي، وإعتصام العسكريون المتقاعدون ، وإعتصام القطاع العام وروابط التعليم الرسمي وإعتصامات داخل سجون لبنان
وكذلك لأهالي الموقوفين اللبنانيين والسوريين …
وأغلبية هذه الإعتصامات لم تؤتِ أكلها ، وأكثر أنواع الإعتصامات اضرارا بمصالح الناس ، قطع طريق المطار الذي كان له صداه السلبي لدى الزائرين الذين أحجم معظمهم عن الإصطياف في لبنان ، وهم يواكبون الإعتصامات بإحراق الدواليب ، وهذه ماركة لبنانية مسجلة، يبقى على الفقراء والمساكين أن يرضوا بأحوالهم لأنهم لا يدرون في وجه من سيعتصمون ولا كيف يعتصمون .
ويسأل بعضهم لماذا تخلى المصطافون العرب عن إرتياد لبنان المعتصم والمضرب والمشاغب. وكيف يحلو للزائرين الإقامة الهانئة وكل ما يحيط بفنادقهم وقرى إصطيافهم ينذر بالفوضى فضلا عن المعلومات التي تداولها أبناء الدول الخليجية عن عدم إستشعارهم بالأمان خشية تعرضهم للمبتزين، وهذا ما يمكن حدوثه.
إن هذا التخبط الذي نعيشه مرده إلى عدم حزم الدوله أمرها بتطبيق القوانين مرعية الإجراء
فهل يمكن أن يستمر هذا الوضع الشاذ إلى غير أمل بالحل وإستيعاب الأزمات المختلفة؛ إنه السؤال الذي يطرحه اللبنانيون البسطاء رغم تشاؤمهم ويأسهم من الإصلاح والعدالة، وكان الله في عون من لا ظهر لهم.
*أخوكم الشيخ مظهر الحموي
عضو اللجنة القضائية في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى
رئيس لجنة الدعوة والمساجد وحماية التراث في المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى في الجمهورية اللبنانية



