ترامب بالأمم المتحدة كوميديا مأساوية!!
بقلم// محمد المشنوق*
جلست أمام التلفزيون في انتظار كلمة الرئيس دونالد ترامب، أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة. وعندما ظهر على الشاشة وزوجته، شعرت أنني أرى مشهداً من فيلم كوميدي وليس جلسة دبلوماسية. كان دخولهما خالياً من الحراسة، وكأنهما ذاهبان لحفل زفاف وليس أمام قادة العالم. وعندما حاولا استخدام السلم الكهربائي، توقف فجأة وكأن السلم نفسه قرر أن يضرب ترامب بــ”بريك” في موقف لا يُنسى، مما اضطرهما للصعود على الدرج المسمَّر، وكأنهما في سباق للسلالم.
دخلا القاعة بعد ما بدا وكأنه تحدٍ رياضي، وبعد دقائق قليلة، وقف ترامب أمام الحضور، وبدا وكأنه يستعد للقيام بعرض مسرحي. نظر نحو المنصة وبدأ كلمته بالتشكيك في قدرات الأمم المتحدة بسبب عطل الشاشة التي كان يُفترض أن تحمل نص كلمته. “حالها مثل الدرج الكهربائي!”، قالها بطريقة تُذكرنا بكوميديين يقدمون فقرات عن التحديات اليومية، بينما كان الحضور يكتفي بالابتسامة بحذر.
تحدث ترامب لمدة ساعة كاملة بدون نص، وكأن لديه نص محفوظ في رأسه أو ربما اعتقد أن هذه هي فرصة لتفريغ محبته لنتنياهو كل ما لديه من آراء مثل شخص كان محبوسًا في منزله لسنوات.
صمم على عدم ذكر دولة فلسطين، لكنه طالب بوقف الحروب في غزة وأوكرانيا والسودان. ثم غمز ببوتين وكأنهما صديقان سويًا يتحدثان في حديقة عامة، قبل أن ينتقل إلى دول الناتو الأوروبية التي قال إنها ما زالت تشتري الغاز والنفط الروسي “وكأنها تشتري الزهور في فصل الربيع”.
تحول كلامه إلى حفل لذكر الإنجازات، فتحدث بفخر عن ما حققه في الماضي. قال: “واشنطن كانت عاصمة الإجرام، لكنها تحولت إلى مدينة آمنة بعد نشر الحرس الوطني”. يبدو أن ترامب نسي أن وعده بدولة آمنة كان جزءًا من مشهد انتخابي أكبر، لكنه استمر في السير على المسار الذي وضعه بنفسه.
ومع ذلك، لم يكن انتقاد المهاجرين ليغيب عن كلمته: “المهاجرون غير الشرعيين يتدفقون إلى أوروبا، وعمدة لندن رهيب وفظيع ويعتمد الشريعة الاسلامية، كان كأنه في برنامج كوميدي.
وصوله إلى اختتام كلمته كان مسرحياً بامتياز: “خطابات الأمم المتحدة الفارغة لا تنهي الحروب، وما يهمني هو إنقاذ الأرواح وليس الحصول على الجوائز”. يمكن أن أتخيل الحضور يتوجه بعناية إلى صانعي الأفلام لتشجيعهم على تحويل هذه الكلمة إلى فيلم سخرية.
ثم جاء حديثه عن العلاقة مع دول الخليج “علاقتنا الثمينة مع دول الخليج أقوى الآن من أي وقت مضى، وأنا لم أطلب أي مساعدة من الأمم المتحدة في إنهاء سبع حروب!” وكأن الأمر كان مجرد لعبة على طاولة دبلوماسية.
وانتهى بمنشور أكثر من كافٍ ليضفي على كلمته بعدًا كوميديًا: “عرضت على خامنئي التعاون، لكنه رد بالتهديد”. يبدو أن ترامب لم يدرك أن الإيرانيين قد يرغبون في اتخاذ تدابير أكثر جدية في التعامل مع العروض التي تأتي من واشنطن.
وبعد ساعة من الارتجال، لم يحصل ترامب على جائزة نوبل، ولكنه بالطبع فاز بجائزة “أفضل كوميدي مسرحي” في نظر الكثيرين بينما وصفت مذيعة بي بي سي هذا العرض بالمهرج الضعيف دبلوماسيًا، ولكن من يدري؟ ربما كان هذا الضعف هو ما أضفى عليه جاذبيته.
في النهاية، كانت كلمته عرضًا لمستوى جديد من الدعاية، حيث أصبح المهرج سياسيًا، والديبلوماسي مدعاة للضحك. ترامب في قاعة الأمم المتحدة كانت تجسيدًا للوضع، ويبدو أن العالم، بأسرع وأسهل الطرق، يحتاج إلى المزيد من الكوميديا حتى يتعلم كيف يتعامل مع القضايا الجادة.
*محمد المشنوق
الوزير السابق



