المال والسلاح والدولة…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
دولةٌ تعجز عن حماية أبنائها من كارتيلات المال ومشتقاتها وجشعها، كيف تستطيع أن تحميهم من السلاح؟ وكيف التقى المال بالسلاح، وأين تقاطعت مصالحهما، حتى أصبح المواطن هو الحلقة الأضعف بينهما؟
كيف يمكن لدولة أن تطلب من مواطنيها الثقة بها، وهي تعجز عن ضبط الأسعار، أو حماية المستهلك من الاحتكار والتلاعب والاستغلال؟
قد تقول لنا الدولة إن لديها مؤسسات ومصالح معنية بحماية المستهلك، وإنها تقوم بجولات تفتيش وتراقب الأسواق. لكن السؤال الحقيقي هو: ماذا يشعر المواطن على الأرض؟
ماذا يفعل المواطن إذا استطاع كارتيل ما أن يلوّح بخفض استيراد مادة أساسية، أو تقليص كمياتها في السوق، فتشحّ المادة أو تختفي، ثم تعود بعد فترة بسعر أعلى؟ ومن يحمي الناس من هذا النوع من الضغط والابتزاز؟
النفط، المولدات، الدواء، المواد الغذائية… أينما وضع المواطن يده وجد فاتورة جديدة، واحتكارًا جديدًا، وسعرًا جديدًا.
والأخطر من ذلك أن المواطن لا يرى دولةً تقف بحزم بينه وبين هذه المصالح المتشابكة. يرى دولةً تراقب وتعلن وتحذر وتطلب، بينما تستمر حياته اليومية في التحول إلى معركة من أجل تأمين أبسط مقومات العيش.
والعمالة اللبنانية أيضًا…
وفي هذا السياق، لا بد من التوقف عند ما أعلنته وزارة العمل، بالتنسيق مع المديرية العامة للأمن العام، عن بدء ملاحقة العمالة الأجنبية المخالفة. وهي خطوة تستحق التنويه، لأن حماية اليد العاملة اللبنانية ليست شعارًا، بل مسؤولية على عاتق الدولة وأجهزتها المختصة.
لكن هناك قطاعًا بالغ الأهمية يجب ألا يُغفل، وهو صناعة الدراما اللبنانية.
ففي هذا القطاع، وبحسب ما هو متداول في الوسط الفني، تصل نسبة العاملين الأجانب إلى نحو 70% في بعض الأعمال والإنتاجات، فيما يجد الفنان اللبناني نفسه أحيانًا أمام منافسة غير متكافئة في سوق يفترض أن يحميه القانون فيه.
وقانون العمل اللبناني يكرّس مبدأ إعطاء الأولوية لليد العاملة اللبنانية متى توافرت الكفاءة المطلوبة، مع خضوع تشغيل الأجانب للشروط والإجازات القانونية.
لذلك، المطلوب من وزارة العمل والأمن العام والبلديات، كلٌّ ضمن صلاحياته، أن تكون الرقابة دقيقة وجدية، وأن تُضبط المخالفات حيثما وجدت، لا في الدراما وحدها، بل في جميع القطاعات.
فكما نحمي العامل اللبناني في المصنع والمطعم والمحل والمؤسسة، علينا أن نحمي أيضًا الفنان اللبناني والممثل والتقني والمخرج والكاتب وكل العاملين في صناعة الدراما.
حماية الفنان اللبناني ليست إقصاءً للآخر ولا انتقاصًا من أحد؛ إنها ببساطة تطبيق للقانون وحماية لفرص العمل اللبنانية.
وإذا كانت الدولة جادة في مواجهة العمالة المخالفة، فلتكن المواجهة شاملة ودقيقة وعادلة، لا انتقائية. فالدولة التي تقول إنها تحمي اللبناني، عليها أن تثبت ذلك في كل مكان يعمل فيه اللبناني، حتى على الشاشة.
نعود إلى السؤال الأكبر: المال والسلاح
إذا كانت الدولة عاجزة عن حماية لقمة عيش المواطن، وعن تأمين الكهرباء والماء والمحروقات والدواء، فكيف ستقنعه بأنها قادرة على حمايته بالسلاح؟
أين الدولة عندما ينقطع التيار؟
أين هي عندما ينقطع الماء؟
أين هي عندما ترتفع أسعار المحروقات؟
أين هي عندما يصبح الدواء عبئًا على المريض؟
وأين هي عندما يتحول الاحتكار إلى وسيلة ضغط على الناس؟
ثم نصل إلى القضاء والعدالة.
قد تتغير القوانين والعقوبات، وقد يُلغى حكم أو يُخفف آخر، لكن المواطن لا يريد دولةً قاسية على الناس، ولا دولةً متساهلة مع الخارجين على القانون. يريد دولةً عادلة وقادرة.
يريد قضاءً سريعًا ومستقلًا.
يريد قانونًا يُطبّق على القوي قبل الضعيف.
يريد دولةً لا يخيفها صاحب المال، ولا صاحب النفوذ، ولا صاحب السلاح.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يفقد المواطن ثقته بالدولة فقط، بل أن يفقد إيمانه بجدوى الدولة نفسها.
وحين تصبح الدولة عاجزة عن حماية المواطن من الغلاء، ومن الاحتكار، ومن الفوضى، ومن انقطاع أبسط مقومات الحياة، يصبح السؤال مشروعًا:
من يحمي اللبناني؟
ما لم تأخذه كورونا، وما لم تأخذه الحرب، قد يأخذه الجوع.
وهنا لا تعود المسألة مسألة أسعار فقط، ولا كهرباء وماء ودواء فقط.
إنها مسألة دولة.
فالدولة التي لا تستطيع أن تحمي مواطنها من المال حين يتحول إلى جشع، ومن الاحتكار حين يتحول إلى ابتزاز، ومن الفوضى حين تتحول إلى خوف، كيف يمكن أن تطلب منه أن يثق بها عندما يتعلق الأمر بالسلاح؟
الدولة أولًا… ثم كل شيء آخر.


