حذار حذار ما تبيّته «إسرائيل» بعد انسحاب «اليونيفيل»!
بقلم// د. عدنان منصور*
فيما يدفع لبنان وفرنسا وعدد من أعضاء مجلس الأمن، باتجاه استمرار وجود دوليّ بشكل ما في جنوب لبنان، بعد قرار مجلس الأمن الدولي 2790 لعام 2025 القاضي بإنهاء مهام القوات الدولية العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل)، في 31 كانون الأول/ ديسمبر 2026، فإنّ “إسرائيل” والولايات المتحدة ترفضان إحلال قوات دولية بديلة تحلّ مكان “اليونيفيل”.
هذا الرفض سيؤدّي إلى إحداث فجوة جغرافية أمنية كبيرة، ويدفع في ما بعد بالجيش “الإسرائيلي” للتقدّم باتجاه الأماكن التي كانت تتواجد فيها قوات الطوارئ الدولية.
إذا كان الهدف من القرار 2790 هو أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الأمنية الوحيدة في جنوب لبنان، فإنّ “إسرائيل” ستعطّل حتماً هذا الدور بأيّ شكل من الأشكال. إذ ستجد لها الذرائع والحجج الواهية وما أكثرها، كي يتمدّد جيش الاحتلال من الناقورة وصولاً إلى بلدات قضاء صور شمالاً.
مما لا شكّ فيه، أنّ انسحاب “اليونيفيل” سينهي المراقبة الدولية في ظلّ استمرار الاحتلال العسكري “الإسرائيلي” الذي سيندفع إلى التحرك والتوغل في مناطق جديدة، على الرغم من أنّ قرار مجلس الأمن 2790 دعا “إسرائيل” إلى الانسحاب من المواقع الخمسة الموجودة شمال الخط الأزرق، وتسليمها للسلطات اللبنانية، وهذا ما لم يلتزم به العدو “الإسرائيلي”.
إنّ التطورات الأمنية المتسارعة في الجنوب، تجاوزت القرار الدولي، وأصبح الوضع الأمني الذي كان قائماً عند اتخاذ القرار، تغيّر بشكل جذري بعد جولات من القتال، واستمرار “إسرائيل” في اعتداءاتها التي ازدادت بشكل ملحوظ، وذلك استناداً إلى تقارير الأمم المتحدة وبالذات تقرير مجلس الأمن الذي أوضح أنّ “اليونيفيل” سجلت بين 5 و 16 آب/ أغسطس 2026 متوسطاً قدره 137 مقذوفاً “إسرائيلياً” يومياً.
إنّ عدم وجود بديل لـ “اليونيفيل”، سيضعف مراقبة الخط الأزرق، كما سيزيد أيضاً من صعوبة انتشار الجيش اللبناني. إنّ خطر التصعيد والمواجهة مع جيش الاحتلال “الإسرائيلي” الذي يواصل عدوانه على لبنان، سيظلّ يطرح نفسه بقوة، خاصة أنّ “إسرائيل” عازمة على التمدّد في ما تبقّى من المدن والقرى شمال الناقورة بما فيها صور، إذ إن “إسرائيل” ترى في المناطق التي تتمركز فيها قوات “اليونيفيل”، هدفاً حيوياً لها بعد انتهاء ولايتها، حيث تعتزم توسيع رقعة الاحتلال، كي يملأ جيشها الفراغ بدلاً من الجيش اللبناني. هنا يكمن الخطر المقبل، لأنّ الجيش “الإسرائيلي” الذي وصل إلى شمال الليطاني، لن يتردّد بعد انسحاب اليونيفيل من احتلال البلدات التي ستنسحب منها القوات الدولية.
إنّ تحريك الولايات المتحدة و”إسرائيل” قرار مجلس الأمن، وإنهاء مهمة قوات الطوارئ الدولية، له أهدافه البعيدة، وإنْ افترض نظرياً أن تصبح الحكومة اللبنانيّة الجهة الأمنية الوحيدة في جنوب لبنان، وأن تقوم “اليونيفيل” بتسليم مواقعها تدريجياً للجيش اللبناني.
حقيقة الأوضاع والمعطيات تشير إلى أنّ “إسرائيل” تماطل وتراوغ، ولن تنسحب من المناطق التي تتمركز فيها قوات “اليونيفيل”، وبالتالي ستجعل الجيش اللبناني غير قادر فعلياً على الانتشار. الأمم المتحدة تدرك مسبقاً صعوبة المشكلة في الميدان، إذ أنه حتى نهاية أيلول/ سبتمبر الماضي، أفادت المعلومات أنّ نصف مواقع “اليونيفيل” تقريباً، تقع تحت سيطرة جيش الاحتلال “الإسرائيلي”، وأنّ تسليم بعضها للجيش اللبناني سيكون في غاية الصعوبة. إذا كانت “إسرائيل” ترفض القوة الدولية البديلة، ولا تسمح في الوقت ذاته بانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي يفترض أن تنسحب منها، فمَن الذي سيملأ الفراغ في ما بعد؟! “إسرائيل” أعلنت في شهر آب/ أغسطس الماضي، معارضتها لنشر قوات دولية جديدة في المنطقة، وذلك كي تخلو الساحة لها، وهي التي تستمرّ في ممارسة عملياتها العسكرية العدوانية داخل لبنان، وانتهاكاتها المتواصلة رغم توقيع لبنان على اتفاق الإطار. لذلك في حال حصول فراغ بعد انسحاب “اليونيفيل” ـ وهذا ما تريده “إسرائيل” ـ وعدم التوصل إلى إنشاء قوة دولية جديدة لملء الفراغ لاحقاً، سيتيح لـ “إسرائيل” أن تتمادى في اعتداءاتها على لبنان، ويصبح الوضع برمّته بعد ذلك أكثر تعقيداً، وتدهوراً، وتفجيراً.
إذا ما استمرّت “إسرائيل” في رفضها الانسحاب فعلياً من الأراضي اللبنانية المحتلّة بعد انتهاء قوات “اليونيفيل”، ومعارضتها لانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي ستخليها قوات الطوارئ الدولية، وعدم وجود آلية دولية للمراقبة والتحقق، وأيضاً غياب جهة دولية موثوقة للتدخل وضبط الأمور في حال وقوع احتكاك بين لبنان و”إسرائيل”، كلّ ذلك سيشرع الأبواب لدولة الاحتلال أن تفعل ما تشاء دون حسيب أو رقيب، في ظلّ عجز الدولة اللبنانية وتخبّطها الذي ظهر بكلّ وضوح في اتفاق الإطار الذي أخذت منه “إسرائيل” كلّ ما تريده من الدولة اللبنانية، فيما مسؤولو لبنان لم ينالوا منها إلا السراب.
بعد انتهاء ولاية اليونيفيل، ستكون الوقائع والحقائق أجدى بكثير من التصريحات السياسية الهزيلة الجوفاء التي أطلقها المسؤولون اللبنانيون على مدى أشهر، ومن الأداء والمواقف العقيمة التي روّجوا لها، والقرارات التي اتخذوها. حينئذ سيتبيّن للجميع غاية الولايات المتحدة و”إسرائيل” من رفضهما التجديد لقوات الطوارئ الدوليّة في جنوب لبنان. من الآن وبصوت عالٍ، نقولها للمسؤولين الذين عوّلوا على اتفاق الإطار وهرولوا إليه، إنّ “إسرائيل” لن تنسحب من المواقع التي يفترض أن تخليها “اليونيفيل”، ولن تسمح للجيش اللبناني أن ينتشر فيها إلا بشروطها. كما لن تقبل بآلية دولية للمراقبة والاتصال، بل ستندفع القوات الإسرائيلية بعد خروج “اليونيفيل” باتجاه مناطق جديدة للسيطرة عليها.
لتقل لنا الدولة اللبنانية بأركانها، و”أبطالها”، وجهابذتها، كيف ستواجه ما ينتظرها من تحديات مباشرة تضع سيادتها وسياستها، وتموضعها، واصطفافاتها على المحك، وهي التي بعد سبع جولات من المفاوضات مع الجانب “الإسرائيلي” لم تعد منها إلا بخفي حنين؟! كيف ستتعامل الحكومة “العليّة” مع التوغل “الإسرائيلي” المنتظر لجيش الاحتلال بعد الانسحاب النهائي لـ “اليونيفيل” من لبنان؟! أباتفاق الإطار الذي تمخضت به الدولة، أم بالاستعانة بـ “الرئيس العظيم” دونالد ترامب، حيث التوسّل السياسي والدبلوماسي اللبناني الهزيل فضح هشاشة المسؤولين، ووصل إلى ذروته دون أن يحقق الحدّ الأدنى من مطالب لبنان!
هل يعلم “المستسلمون” الآن، لماذا كانت الولايات المتحدة و”إسرائيل” منذ أكثر من عام تعملان وتدفعان باتجاه إنهاء مهمة “اليونيفيل”!
بعد أشهر قليلة ستتكشف الأمور بكلّ أسرارها وخفاياها، حينئذ سنطلب من الحكومة “الباهرة” أن تحدثنا عن أخبارها وعن “إنجازاتها العظيمة” التي حققتها من اتفاق الإطار الذي هو في جبين الدولة يبقى وصمة رضوخ، وخضوع، واستسلام!
الأيام والشهور المقبلة بيننا، بعدها سنذكّر المسؤولين بما وصلوا إليه وحققوه للبنان وشعبه، وإنْ لن تنفع معهم الذكرى…!
*وزير الخارجية والمغتربين الأسبق

