علي الطاهر: سقطت سُلّمت أم كانت صفقة؟

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
سقطت علي الطاهر؟
سُلّمت؟
أم أنها كانت جزءاً من صفقة أكبر من التلة نفسها؟
السؤال ليس بسيطاً، ولا يجوز أن نمرّ عليه مروراً عابراً، لأننا إذا أردنا قراءة ما جرى بعيداً عن العاطفة والشعارات، علينا أن ننطلق أولاً من موازين القوى، ومن طبيعة الأرض، ومن الأهمية الاستراتيجية للموقع، ومن تاريخ المدافعين عنه وعقيدتهم وإيمانهم بقتالهم.
من هنا تبرز أمامنا قراءتان.
القراءة الأولى تقول إن موقعاً بهذه الطبيعة، وبهذه الأهمية، لا يمكن اعتباره «ساقطاً» لمجرد أن قوة معادية دخلته أو أعلنت السيطرة عليه. فالسقوط العسكري الحقيقي يعني معركة، وسيطرة ميدانية، وتثبيتاً للقوة على الأرض. أما القول إن الموقع سقط من دون معرفة حقيقة ما جرى، ومن قاتل وكيف قاتل ولماذا انسحب، فيبقى ناقصاً.
أما القراءة الثانية، وهي الأكثر إيلاماً، فتفترض أن المسألة لا تتعلق فقط بقدرة إسرائيل العسكرية.
فهل كان حزب الله ضعيفاً إلى الحد الذي سمح لإسرائيل بأن تدخل إلى موقع يُفترض أنه من عرينه، وتطرده منه وكأنها تقوم بنزهة؟
إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام سؤال آخر: كيف وصل حزب الله إلى هذه الدرجة من الضعف؟
وإذا كان الجواب لا، وأن موازين القوى وحدها لا تفسر ما جرى، فهنا يصبح السؤال أكثر صعوبة:
هل سُلّمت علي الطاهر؟
وإذا سُلّمت، فإلى من؟
هناك فارق هائل بين أن تُسلَّم الأرض اللبنانية إلى الجيش اللبناني، فتعود إلى الدولة اللبنانية، وبين أن تُترك للعدو الإسرائيلي.
في الحالة الأولى يمكن القول إن هناك انسحاباً من منطقة لمصلحة الدولة.
أما في الحالة الثانية فنحن أمام أمر مختلف تماماً: أرض لبنانية تنتقل من يد المقاومة إلى يد العدو.
وهنا لا تعود القضية عسكرية فقط، بل تصبح سياسية بامتياز.
ولأن حزب الله ليس قراراً لبنانياً منفصلاً عن محيطه الإقليمي، لا يمكن تجاهل السؤال الإيراني.
هل كان الانسحاب قراراً حزبياً؟
هل كان نتيجة ضغط إسرائيلي؟
أم أن هناك قراراً إيرانياً أكبر دفع الحزب، مكرهاً أو مختاراً، إلى التخلي عن هذه الورقة؟
لا نملك حتى الآن دليلاً علنياً يسمح لنا بالقول إن إيران أمرت بتسليم علي الطاهر، ولذلك لا يجوز أن نحول الاحتمال إلى حقيقة.
لكن السياسة لا تُقرأ فقط بما قيل، بل أيضاً بما حدث، وبالتوقيت، وبالنتائج.
وهنا نصل إلى السؤال الذي قد يكون أهم من كل ما سبقه:
إذا كانت علي الطاهر جزءاً من تفاوض أكبر، فما الثمن؟
ماذا أخذت إسرائيل؟
ماذا أخذ لبنان؟
ماذا أخذ حزب الله؟
والسؤال الأهم:
ماذا أخذت إيران؟
فهل يمكن أن تكون علي الطاهر مجرد ورقة في ملف أكبر من لبنان؟
هل يمكن أن تكون إيران مستعدة للتنازل عن بعض أوراقها في الساحة اللبنانية مقابل مكاسب في ساحات أخرى؟
وهل يمكن أن يكون ما يجري في الجنوب جزءاً من إعادة رسم أوسع للأدوار والنفوذ، بحيث لا تكون التلة سوى تفصيل في صفقة أكبر؟
لا أحد يستطيع أن يقدم الإجابة النهائية اليوم.
لكن ما نستطيع فعله هو أن نسأل.
والسؤال هنا ليس تشكيكاً بالمقاتل الذي دافع، ولا انتقاصاً من قدرته، ولا تبريراً لإسرائيل.
السؤال هو عن القرار السياسي الذي يقف خلف المشهد العسكري.
ففي الحروب، ليست كل الانتصارات تُحسم بالرصاص، وليست كل الانسحابات هزيمة عسكرية، وليست كل المواقع التي تسقط قد سقطت في الميدان.
أحياناً تسقط الأرض في المعركة.
وأحياناً تُترك الأرض بقرار.
وأحياناً تكون الأرض نفسها ورقة على طاولة أكبر.
ولهذا، فإن علي الطاهر تستحق أكثر من خبر عاجل يقول: «سقطت».
نريد أن نعرف:
كيف سقطت؟
من قرر؟
لماذا الآن؟
ولماذا لم تنتقل إلى الجيش اللبناني إذا كان المطلوب فعلاً إنهاء الوجود المسلح خارج الدولة؟
والسؤال الأشد قسوة:
إذا كانت هذه صفقة، فما هو الثمن الذي دُفع مقابلها، ومن قبض الثمن؟
فلبنان لا يستطيع أن يعيش إلى الأبد على نتائج صفقات لا يعرف تفاصيلها، ولا أن يستيقظ كل مرة ليكتشف أن قطعة جديدة من أرضه أصبحت ورقة في حسابات الآخرين.
علي الطاهر ليست مجرد تلة.
إنها اختبار جديد للسؤال القديم:
هل تُصنع القرارات المتعلقة بلبنان في لبنان، أم أن لبنان لا يزال مجرد ورقة على طاولات الآخرين؟
وربما لهذا السبب تحديداً، لا ينبغي أن نتسرع في القول:
«سقطت علي الطاهر».
بل علينا أولاً أن نعرف:
هل سقطت في المعركة، أم سُلّمت، أم سقطت على طاولة صفقة لم نعرف بعد ثمنها؟



