كفى سجالات… نريد وطنًا…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
لو نوقف هذه السجالات التي لا تعطي أي نتيجة، ونبحث بدلًا منها عمّا يمكن أن ينقذ هذه المزرعة ويعيدها إلى مصافّ الدول، بدل هذا الظهور الإعلامي المتنقّل من موقع إلى آخر، وهذه الذهنية التي تختصر السياسة بمنطق «بي أقوى من بيّك»، وبالأنا التي تتحكّم في كل خطوة وكل موقف.
ولعل صراع الغرائز أصبح أمرًا طبيعيًا في المزرعة؛ فمن يعيش في مزرعة، حيث تغيب الدولة أو تضعف مؤسساتها، تتحكم به الغريزة أكثر مما يحكمه منطق الدولة والقانون. وعندما تسقط الدولة من وجدان الناس، يتحوّل الإنسان من مواطن إلى فرد يبحث عن الحماية والنفوذ والانتصار لجماعته، فيصبح الانتماء إلى الطائفة أو الحزب أو الزعيم أقوى من الانتماء إلى الوطن، ويصبح شعار “بي أقوى من بيّك” لغةً سياسية واجتماعية تتوارثها الأجيال.
لقد تعب اللبنانيون من هذا الاستعراض الدائم، ومن خطابات تُبنى على المزايدة، ومن مواقف تُباع اليوم لاستثمارها غدًا. والأخطر من ذلك أن تتحوّل المنابر الإعلامية إلى مساحة لبثّ السموم بين شركاء الوطن، بل وحتى داخل الطائفة الواحدة؛ فيُحرَّض الأخ على أخيه، والجار على جاره، وأبناء البيت الواحد على بعضهم البعض، وكأن الخلاف السياسي أصبح مبررًا لتفكيك المجتمع وزرع العداوات فيه.
كفى ضخًّا للكراهية، وكفى استدعاءً للغرائز والعصبيات. فلبنان لا يحتمل مزيدًا من الشرخ، ولا يحتاج إلى من يذكّر اللبنانيين كل يوم بما يفرّقهم، بل إلى من يبحث عمّا يجمعهم. فالاختلاف في الرأي حق، أما تحويل الاختلاف إلى خصومة وعداوة وتحريض فهو جريمة بحق الوطن.
وهنا تبدأ الكارثة الحقيقية: بدل أن يتنافس شركاء الوطن على من يقدّم الأفضل للبنان، يتنافسون على من يملك الصوت الأعلى، ومن يستطيع إلغاء الآخر، ومن ينجح في شحن جمهوره ضد شريكه في الوطن، بل وضد أخيه في الطائفة نفسها.
وهكذا لا تعود السياسة بحثًا عن حلول، بل تصبح صراع غرائز على السلطة والنفوذ.
وبدل أن ينتقل المسؤول من شاشة إلى أخرى، ومن منبر إلى آخر، ليخبرنا كم هو قوي وكم هو قادر، فلينزل إلى أرض الواقع وليُرِنا ماذا يستطيع أن يفعل. البطولة ليست في رفع الصوت، ولا في تسجيل النقاط على الخصوم، ولا في إطلاق المواقف النارية التي تُستهلك خلال ساعات على مواقع التواصل. البطولة أن تتحمّل المسؤولية، وأن تقدّم حلًا، وأن تنجز، وأن تضع مصلحة لبنان فوق المصلحة الشخصية والحزبية والطائفية.
فإن كنتَ تدّعي أنك بطل، دعنا نرى بطولتك خارج نطاق الخطاب.
دعنا نراها في مواجهة الفساد، في بناء مؤسسات الدولة، في حماية الاقتصاد، في إعادة الثقة، في احترام القانون، وفي جمع اللبنانيين بدل تفريقهم.
نحن لا نحتاج إلى بطل ينتصر على شريكه في الوطن، ولا إلى زعيم ينتصر على أبناء طائفته، ولا إلى سياسي يقيس نجاحه بعدد الخصوم الذين أسقطهم كلاميًا. نحتاج إلى من ينتصر للبنان.
لقد أصبح لدينا ما يكفي من الخطب، وما يكفي من المزايدات، وما يكفي من المعارك الوهمية. ما ينقصنا هو أن نجلس معًا، نضع خلافاتنا جانبًا، ونسأل السؤال البسيط الذي تهربون منه منذ سنوات:
ماذا سنفعل لإنقاذ هذا البلد؟
لأن الوطن لا يُبنى بالصراخ، ولا تُستعاد كرامته بالظهور الإعلامي، ولا تُحمى وحدته ببث السموم بين أبنائه.
والخروج من “المزرعة” لا يبدأ فقط بتغيير الأشخاص، بل يبدأ بالخروج من ذهنية المزرعة؛ من منطق القطيع، ومن عبادة الأنا، ومن اعتبار كل مختلف عدوًا، ومن تحويل المنابر الإعلامية إلى مصانع لإنتاج الكراهية والتحريض.
الدولة لا تبدأ من القصر ولا من البرلمان ولا من الحكومة؛ الدولة تبدأ عندما ينتصر العقل على الغريزة، والمواطنة على العصبية، والمصلحة العامة على الأنا.
وإلا سنبقى ندور في المكان نفسه، نغيّر الوجوه والخطابات، بينما تبقى المزرعة هي المزرعة.
فلبنان اليوم لا يحتاج إلى من يقول: “أنا أقوى من غيري”؛ لبنان يحتاج إلى من يثبت أنه أقوى من أناه، وأكبر من حزبه، وأوسع من طائفته، وأصدق من خطابه.
فكفى استعراضًا…
نريد أفعالًا.
وكفى تحريضًا…
نريد وطنًا.



