عامان على اغتيال نصر الله : حزب الله الى اين؟

بقلم// قاسم قصير
في السابع والعشرين من شهر أيلول ( سبتمبر ) من العام 2024 اغتال العدو الإسرائيلي الأمين العام الثالث لحزب الله السيد حسن نصر الله مع عدد من القياديين من خلال عملية قصف استخدمت فيها الطائرات الإسرائيلية المدعومة أميركيا حوالي 90 طنا من المتفجرات والقذائف في عملية ضخمة عسكرية وامنية ، وعمد العدو الإسرائيلي الى استخدام غازات سامات ومنع الوصول الى مقر عمليات السيد نصر الله لعدة أيام لمنع انتشال الجثامين ومنع وصول سيارات الإنقاذ والاسعاف .
وكان العدو الإسرائيلي قد اغتال في الثلاثين من شهر تموز (يوليو) من العام نفسه المسؤول العسكري للحزب فؤاد شكر ( الحاج محسن) ، ونفّذ في 17 و18 من شهر ( أيلول ) عمليتي تفجير البيجر واللاسلكي واللتان ادتا الى استشهاد وجرح حوالي ثلاثة الاف عنصر من حزب الله مع عدد من المواطنين والأطفال ، ولاحقا استهدف العدو الإسرائيلي قادة قوة الرضوان وعلى راسهم الحاج إبراهيم عقيل ( الحاج عبد القادر) ومن ثم اغتيال الأمين العام الجديد والذي انتخب بعد اغتيال نصر الله السيد هاشم صفي الدين مع عدد من القادة ، وتوالت عمليات الاغتيال للقادة والمسؤولين وبينهم العلامة الشيخ نبيل قاووق ، في حين كان العدو الإسرائيلي يستهدف أيضا منصات الصواريخ ويفرض على مئات الاف المواطنين اللبنانيين في الجنوب والضاحية الجنوبية والبقاع النزوح وترك منازلهم ، وكان الهدف الاستراتيجي شلّ حزب الله وضرب بنيته الاجتماعية والاقتصادية وانهاء قوة المقاومة واحتلال قسم كبير من الأراضي اللبنانية .
في مواجهة هذه الحرب الإسرائيلية – الأميركية في شهر أيلول وتشرين الأول ( سبتمبر واوكتوبر ) من العام 2024 والتي جاءت بعد عام تقريبا على شن حزب الله حرب الاسناد لقطاع غزة وقوى المقاومة في فلسطين لم يستسلم حزب الله بل خاض معركة اولي البأس لمدة 66 يوما وعمد الى اختيار الشيخ نعيم قاسم امينا عاما جديدا للحزب واعتماد قيادات جديدة عسكرية وامنية وتنفيذية ، الى ان حصل وقف اطلاق النار في الثامن والعشرين من شهر تشرين الثاني من العام 2024 ، وكان يفترض ان يؤدي الاتفاق برعاية أميركية الى وقف شامل لاطلاق النار ووقف الاغتيالات والاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب جيش العدو الإسرائيلي من المناطق التي احتلها وفي المقابل ينسحب عناصر حزب الله من جنوب الليطاني ويسلمون مراكزهم للجيش اللبناني ، لكن العدو الإسرائيلي واصل عدوانه واعتداءاته ولم ينسحب من كل المناطق اللبنانية مما دفع المواطنين الجنوبيين للانطلاق في مسيرات شعبية لفرض الانسحاب مجددا ولكن بقي العدو يحتل بعض النقاط ويواصل عدوانه في الجنوب والبقاع وبيروت والضاحية الجنوبية مما أدى لاستشهاد حوالي خمسمائة مواطن لبناني طيلة سنة وثلاثة اشهر .
وفي موازة ذلك كان لبنان ينتخب العماد جوزيف عون رئيسا للجمهورية ويختار الدكتور نواف سلام رئيسا للحكومة ، وبدأت الضغوط السياسية والإعلامية والدبلوماسية على حزب الله لتسليم سلاحه بالكامل وحل مؤسساته العسكرية والأمنية.
وكانت رهانات الكثيرين في لبنان وخارجه ان دور حزب الله انتهى ولم يعد قادرا على مواجهة العدو الإسرائيلي ، وان محور المقاومة انتهى ولم يعد هناك إمكانية لاي تعاون بين قوى المقاومة خصوصا في ظل التطورات في قطاع غزة والحرب على اليمن وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا والحرب التي شنّت على ايران من قبل اميركا وإسرائيل في حزيران ( يونيو) من العام 2025 ولم يشارك فيها حزب الله ، كما واصل العدو الإسرائيلي استهداف قادة حزب الله وكوادره واغتال في أواخر العام 2025 بعض كوادر الحزب ومسؤوله العسكري الجديد أبو علي الطباطبائي ولم يرد الحزب على عمليات الاغتيال .
الى ان كانت الحرب الجديدة على ايران في الثامن والعشرين من شهر شباط (فبراير) من العام الحالي 2026 وقام العدو الإسرائيلي بدعم ومشاركة أميركية باغتيال قائد الجمهورية الإسلامية الإيرانية السيد خلى خامنئي مع عدد من القادة العسكريين والسياسيين وشن حرباً جديدة واسعة على ايران ، ولم ينتظر الحزب كثيرا حيث اطلق ردا على العدو الإسرائيلي من خلال اطلاق عدد من الصواريخ في الثالث من اذار (مارس) ثأرا للسيد خامنئي وردا على العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان ، واندلعت حرب إسرائيلية جديدة على لبنان ولا تزال مستمرة الى اليوم وادت الى احتلال وتدمير حوالي ستين قرية واستشهاد وجرح الاف المواطنين اللبنانيين من شباب ورجال و نساء وأطفال وتهجير مئات الاف اللبنانيين وتدمير منازلهم .
وفي حين اختارت السلطة اللبنانية الذهاب الى التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي رفض حزب الله ذلك وخاض ما اسماه “معركة العصف المأكول” ، ولا تزال المعركة مستمرة واستعمل الحزب تقنيات جديدة من طائرات مسيرة وأسلوبا جديدا في العمل العسكري والأمني ، ورغم كل الرهانات على نهاية الحزب واستسلامه والضغط من اجل تسليم سلاحه ، فان الحزب لا يزال يرفض ذلك ويدعو لانسحاب العدو الإسرائيلي من كل الأراضي اللبنانية وعودة النازحين الى قراهم وإعادة الاعمار ووقف العدوان الإسرائيلي واطلاق الاسرى ، وكان لإيران دور مهم في الحرب الجديدة من خلال تدخلها العسكري المباشر بعد قصف الضاحية الجنوبية ووضع وقف اطلاق النار في لبنان كأحد البنود الأساسية في أي اتفاق مع اميركا .
وبعد عامين من اغتيال السيد حسن نصر الله والعدد الكبير من القادة والكوادر وكل التطورات الداخلية والخارجية والتي تضغط على حزب الله والمقاومة الإسلامية لا يزال حزب الله وبالتحالف مع العديد من القوى الوطنية والإسلامية يخوض حربا قاسية ضد التفاوض المباشر مع العدو الإسرائيلي ومن اجل فرض انسحاب العدو ووقف عدوانه ، وبموازة ذلك يسعى الحزب للحفاظ على بنيته التنظيمية والسياسية والشعبية وإعادة ترميم أوضاعه الداخلية .
ويخوض امينه العام الحالي الشيخ نعيم قاسم معركة صعبة إعلامية وسياسية وتعبوية في ظل الفراغ الكبير الذي تركه اغتيال السيد نصر الله وبعض القادة ، ورغم كل الضغوط التي تعرض ويتعرض لها الحزب ومقاومته ورغم الحصار المالي والتغيرات الداخلية والخارجية لا يزال حزب الله القوة الأكثر حضورا سياسيا وشعبيا في لبنان ولا يزال سلاح الحزب الموضوع الذي يشغل بال كل الأطراف الداخلية والقوى الإقليمية والدولية ، وهذا يؤكد ان كل ما قام به العدو الإسرائيلي من حرب شاملة لم تؤد الى نهاية الحزب واستسلامه .
لكن من الواضح ان امام الحزب اليوم تحديات كبيرة داخلية وخارجية وهذا يستدعي رؤية جديدة لمواجهة كل هذه التحديات كي يكون قادرا على حماية وجوده ودوره واستعادة خيار المقاومة وتحرير الأرض وإعادة بناء ما هدمّه العدو ، وهذا يتطلب مقاربات جديدة في العلاقات مع القوى الداخلية والخارجية وإعادة بناء جبهة وطنية واسعة واجراء مصالحات كبرى مع العديد من الدول العربية وخاصة السلطة الجديدة في سوريا ، إضافة لاعتماد التعاون مع الدول العربية والإسلامية والجهات الدولية الفاعلة من اجل مواجهة المشروع الإسرائيلي للهيمنة على المنطقة وتقسيمها الى دويلات طائفية ومذهبية .
التحديات كبيرة والظروف صعبة امام الحزب وقيادته الجديدة لكن اعتماد المراجعة لما جرى والتعلم من الأخطاء ووضع رؤية جديد في الأداء والمواجهة قد يؤدي الى تحقيق الأهداف المطلوبة في هذه المرحلة الصعبة ويسقط كل الرهانات على نهاية الحزب او اسقاطه.

