عربي ودولي

“نيويورك تايمز”: دروس حرب أفغانستان تكشف معضلة أميركا في إنهاء حربها مع إيران

أشارت صحيفة “​نيويورك تايمز​” إلى أن ​الحرب الأميركية​ على ​إيران​ تعيد، بعد خمس سنوات على الانسحاب الفوضوي من ​أفغانستان​، طرح سؤال واجه واشنطن مرارًا: لماذا يصبح إنهاء الحروب الأميركية أحيانًا أكثر صعوبة من خوضها؟

وفي مقال للكاتب ​غريغ جافي، رأت الصحيفة أن تجربة أفغانستان، التي انتهت قبل خمس سنوات وسط الفوضى وسقوط ضحايا أميركيين في تفجير مطار كابل، تحمل دروسًا مهمة لصانعي القرار الأميركيين في بحثهم عن مخرج من الحرب مع إيران.

وبحسب جافي، فإن المخاوف التي دفعت ثلاثة رؤساء أميركيين إلى التردد في إنهاء الحرب الأفغانية لم تتحقق لاحقًا، إذ لم تتحول أفغانستان بعد الانسحاب إلى ملاذ للإرهاب أو منصة لشن هجمات على الولايات المتحدة​.

ويرى الكاتب أن واشنطن كانت أمام فرصة واضحة للانسحاب من أفغانستان عام 2011، بعد مقتل زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن​ وتراجع قدرات التنظيم، إلا أن اعتبارات سياسية وعسكرية حالت دون اتخاذ هذه الخطوة.

فالمسؤولون الأميركيون كانوا يخشون تأثير الانسحاب على مصداقية الولايات المتحدة، ويشعرون بالتزام تجاه حلفائهم الأفغان، إلى جانب اعتقادهم بأن إنهاء الحرب قد يُنظر إليه على أنه انتقاص من تضحيات الجنود الأميركيين الذين قتلوا أو أصيبوا فيها.

ونقل جافي عن كارتر مالكاسيان​، الذي عمل مستشارًا للقادة الأميركيين في أفغانستان، قوله إن كثيرًا من المسؤولين كانوا سيدافعون بقوة أكبر عن الانسحاب المبكر لو كانوا يعرفون آنذاك ما يعرفونه اليوم.

كما أشار إلى صعوبة تقبل المؤسسة العسكرية الأميركية لفكرة الانسحاب، في ظل ثقافة تقوم أساسًا على القتال من أجل تحقيق النصر.

ومع تراجع احتمالات هزيمة ​حركة طالبان​، تغيرت أهداف واشنطن تدريجيًا، وانتقلت من السعي إلى الانتصار إلى محاولة خفض الخسائر والتكاليف والحفاظ على الحكومة الأفغانية لأطول فترة ممكنة. وشبّه جافي هذا الوضع بطبيب يدرك أن مريضه سيموت، لكنه يأمل ألا تحدث الوفاة خلال مناوبته.

وفي المقابل، أشار الكاتب إلى أن الحرب مع إيران بدأت بوعود أميركية مختلفة تمامًا عن تجربتي العراق وأفغانستان، إذ تعهد وزير الحرب الأميركي بيت هيغسيت بأن تكون سريعة وحاسمة ومحددة الأهداف، وألا تتحول إلى حرب بلا نهاية.

لكن مسار الحرب، وفق المقال، بدأ يضع هذه التعهدات أمام اختبار صعب، بعدما ردت إيران على الضربات الأميركية بإغلاق ​مضيق هرمز، فيما ظهر أن الاعتماد على القوة الجوية وحدها قد لا يكون كافيًا لهزيمة طهران أو إعادة فتح الممر المائي أمام حركة التجارة.

ومع تعثر خيار الضربات الجوية في تحقيق هذه الأهداف، انتقلت الإدارة الأميركية إلى الرهان على حصار بحري لصادرات إيران وتشديد العقوبات الاقتصادية​ لدفع طهران إلى تقديم تنازلات. وفي الوقت نفسه، تراجع الحديث العسكري الأميركي عن تحقيق نصر سريع، ليحل محله الحديث عن حملة قد تمتد لأشهر أو لفترة أطول.

ويرى جافي أن أحد أوجه التشابه الأساسية بين أفغانستان وإيران يتمثل في أن خصم الولايات المتحدة يخوض في الحالتين معركة يعتبرها مرتبطة ببقائه. فكما راهنت طالبان على قدرتها على استنزاف الأميركيين وانتظار رحيلهم، تبدو إيران، بحسب الكاتب، مستعدة لخوض رهان مماثل.

لكن ثمة فارقًا أساسيًا، إذ إن المصالح الأميركية في إيران ليست مرتبطة ببقاء نظام سياسي تدعمه واشنطن أو بمشروع لإعادة بناء دولة، كما كان الحال في أفغانستان. ولذلك، قد تكون كلفة إنهاء الحرب أقل من كلفة الانخراط في عملية عسكرية واسعة بهدف إعادة فتح مضيق هرمز.

ومع ذلك، يعتبر الكاتب أن المعضلة لا ترتبط فقط بالخيارات العسكرية، وإنما أيضًا بصعوبة الاعتراف بالفشل بعد استثمار سنوات من القتال والأموال والأرواح في حرب ما.

ويشير إلى أن نهاية الحرب الأفغانية أظهرت محاولة لإعادة صياغة الهزيمة من خلال التركيز على تكريم الجنود وتضحياتهم. ففي الذكرى الخامسة للانسحاب، كرّم هيغسيث ثلاثة من مشاة البحرية أصيبوا في تفجير مطار كابل، ومنحهم أوسمة متأخرة تقديرًا لشجاعتهم، فيما ركزت المراسم على بطولة الجنود من دون التطرق إلى حقيقة خسارة الولايات المتحدة حربًا طويلة ومكلفة.

ويخلص جافي إلى أن تجربة أفغانستان تحمل درسًا مهمًا في التعامل مع إيران، يتمثل في أن تكريم الجنود والحفاظ على مكانة المؤسسة العسكرية لا يستلزمان بالضرورة الاستمرار في الحرب، وأن الإقرار بحدود القوة الأميركية قد يكون أكثر واقعية من السماح لحملة محدودة بالتحول إلى صراع مفتوح يصبح إنهاؤه أكثر صعوبة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى