لا تسقط الدول بالديون… بل بغياب العدل…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد
لا تسقط الدول بالديون، بل بغياب العدل. فالتاريخ لم يسجّل يومًا انهيار أمة لأن أرقامها الحمراء ارتفعت، بل لأن ميزانها الأخلاقي انكسر. الديون تُدار، تُعاد جدولتها، وقد تتحول إلى فرصة إن وُجدت إدارة رشيدة. أمّا الظلم، فإذا استوطن مؤسسات الدولة، فإنه يفتك بها ببطء، بصمت، ومن الداخل.
تبدأ الحكاية عندما يتصدّر من وصلوا الى مراكز القرار، بفرضهم من الزعيم، لا لخبرتهم ولا لكفاءتهم، بل لقدرتهم على الانحناء حيث يجب، والتصفيق حين يُطلب منهم. في المقابل، يُهمَّش الكبار لأنهم لا يجيدون التملّق، وتُقصى العقول النظيفة لأنها ترفض أن تكون شاهد زور. عندها، لا يصبح الفشل استثناءً، بل قاعدة، ولا يعود الخطأ محاسَبًا، بل محميًّا.
حين تُمنح الترقيات لمن يتقن فن الولاء الأعمى لا فن البناء، تُصاب الدولة بالشلل. الإدارة تتحول إلى شبكة مصالح، والقانون إلى أداة انتقائية، والمؤسسات إلى واجهات فارغة. يُكافأ الرديء لأنه مطيع، ويُعاقَب الجيد لأنه مستقل. هكذا يُقتل الإبداع، ويهاجر الأمل، وتُدفع الكفاءات إما إلى الصمت أو إلى الرحيل.
وعند هذه النقطة، تتحول الدولة إلى مزاد علني. تُباع المواقع، وتُشترى القرارات، وتُقايَض الحقوق بالمنافع. تصبح الدولة مزرعة بلا سياج، يدخلها كل طامع، ويخرج منها كل شريف. لا حارس للقيم، ولا رادع للتجاوزات. تُنهَب باسم القانون، وتُدار بالعلاقات، ويُختزل المواطن إلى رقم في سجل أو صوت في موسم انتخابي.
الأخطر من كل ذلك، أن تُباع الكرامة قبل التراب. حين يُطلب من الناس أن يتأقلموا مع الإهانة، وأن يبرروا الفساد، وأن يعتبروا الظلم “واقعية سياسية”، يكون الانهيار قد بلغ جوهره. فالدولة لا تقوم على الأرض وحدها، بل على ثقة مواطنيها، وعلى شعورهم بأن العدل ممكن، ولو تأخر.
وحين يصبح الصمت حكمة، والنفاق سياسة، والحق تهمة، لا تعود الدولة مهددة بالسقوط. تكون قد سقطت فعلاً. وما يبقى بعدها ليس دولة، بل اسمًا، ولا نظامًا، بل إدارة أزمة دائمة.
فالعدل ليس ترفًا أخلاقيًا، بل شرط وجود. وبدونه، لا ديون تُغفر، ولا أوطان تُنقَذ.



