الإنتشار اللبناني

الرفاعي: لا عدالة من دون استرداد الحقوق ولا إصلاح من دون مساءلة ومحاسبة

أشار مفتي محافظة بعلبك الهرمل الشيخ الدكتور بكر الرفاعي إلى أن “ميلاد النبي ﷺ لم يكن ولادة رجل في التاريخ فحسب، بل ولادة مشروع غيّر اتجاه التاريخ. ففي لحظة كانت البشرية تعاني أزمة في العقيدة والقيم والعدالة، جاء رسول اللّه ليعيد للإنسان بوصلته، وللمجتمع توازنه، وللقوة معناها الأخلاقي”.

وتابع في خطبة الجمعة: “كانت الإمبراطوريات يومها تملك الجيوش والقصور، لكنها لم تملك الإنسان. كان الاستبداد قوياً، والطبقية راسخة، والضعفاء بلا حماية. وفي الجزيرة العربية كانت القبيلة أقوى من القانون، والعصبية أقوى من العدالة. فجاء الإسلام ليضع قاعدة جديدة: قيمة الإنسان ليست في قوته ولا نسبه، وإنما في إنسانيته وتقواه وعدله”.

وقال: “لم يبدأ النبي ﷺ مشروعه بتغيير الأنظمة، بل بتغيير الإنسان الذي يصنع الأنظمة. حرر العقل من الخرافة، والضمير من الخوف، والإنسان من عبودية الإنسان. ولذلك كان التوحيد في جوهره ثورة على كل طاغوت يحتكر السلطة أو الحقيقة أو الكرامة”.

وأضاف: “ما أشبه الأمس باليوم! فقد تغيرت الأدوات، لكن كثيراً من مظاهر الجاهلية ما زالت حاضرة: قوة بلا أخلاق، مصالح بلا مبادئ، وحروب يدفع ثمنها الضعفاء. وغزة اليوم ليست مجرد مأساة إنسانية، بل اختبار سياسي وأخلاقي يكشف مقدار صدق العالم في حديثه عن العدالة وحقوق الإنسان”.

ورأى “إن إقرار العفو العام يشكّل خطوة مهمة نحو طيّ مرحلة طويلة من الألم والظلم والمماطلة، ويفتح بابًا لاستعادة شيء من الثقة والعدالة، لكن هذا القرار ينبغي أن يكون بداية لاستكمال الملف بكل مسؤولية حتى انتهاء كل تداعياته”.

ولفت إلى أنّ “تعليق حكم الإعدام ينبغي أن يكون في سياق طيّ ملف مظلومية الموقوفين ومعالجة القضايا التي شابها الظلم أو التأخير، لا أن يتحول إلى تعليق عام لعقوبة الإعدام؛ فالإعدام في الشريعة عقوبة مقررة في حالات محددة، ومقصودها تحقيق الردع وحماية المجتمع، قال تعالى: “وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ”. والعدل يقتضي التفريق بين رفع الظلم عمّن وقع عليه، وبين إلغاء مبدأ العقوبة الزاجرة التي تحفظ حياة الناس وأمن المجتمع”.

ورأى “إنَّ إقرار القوانين التي تعالج ملف أموال المودعين يمثّل خطوة حقيقية في اتجاه ردّ الحقوق إلى أصحابها، وترميم الثقة بالدولة ومؤسساتها، ولا سيما بعد سنوات من ضياع الودائع وتحميل الناس كلفة الانهيار. والمطلوب أن تُستكمل هذه الخطوة بمحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن هذا الملف، الذي وصفه كثيرون بـ”سرقة العصر”، فلا عدالة من دون استرداد الحقوق، ولا إصلاح من دون مساءلة ومحاسبة.

ودعا إلى “انضمام الدول الإسلامية والعربية وفي مقدمتها لبنان، إلى اتفاق مكة، بما يعزز أمن المنطقة واستقرارها ويفتح بابًا لشراكة تقوم على المصالح المشتركة واحترام السيادة. فالمرحلة التي نعيشها لا تحتمل مزيداً من التشرذم، وأن نجتمع على ما نتفق عليه، ويعذر بعضنا بعضاً فيما نختلف فيه”.

وختم الرفاعي: “إن تعزيز مصادر القوة وبناء جبهة رادعة تحمي شعوب المنطقة وتحدّ من تغوّل العدو الإسرائيلي واعتداءاته في فلسطين ولبنان وسوريا، فالسلام الحقيقي لا يُبنى على الضعف، والردع لا يعني طلب الحرب، بل امتلاك القدرة التي تجعل كلفة العدوان عالية، وتحفظ السيادة وتصون الأرض والإنسان. وفي عالم لا يحترم إلا من يملك عناصر القوة، فإنَّ المطلوب بناء القوة، وتوحيد الموقف، وتنسيق القدرات، وتحقيق التكامل بين دول المنطقة”.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى