مقالات

اتفاق الإطار بين لبنان وإسرائيل… سلامٌ تحت المراقبة أم طريقٌ إلى استعادة الدولة؟ (1/2)

ليس من السهل قراءة اتفاق الإطار الذي توصل إليه لبنان وإسرائيل برعاية أميركية من زاوية واحدة.

فمن يراه انتصاراً للبنان قد يستند إلى أن الاتفاق يتحدث عن استعادة السيادة اللبنانية، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية، وعودة النازحين، ودعم الجيش اللبناني، وصولاً إلى إنهاء حالة الحرب.

ومن يراه انتصاراً لإسرائيل يشير، في المقابل، إلى أن الانسحاب الإسرائيلي مرتبط بمراحل وبمدى التقدم في نزع سلاح القوى غير الحكومية، وفي مقدمتها حزب الله، وأن إسرائيل تحصل عملياً على آلية تحقق خارجية تراقب ما يجري على الجانب اللبناني.

وبين القراءتين توجد حقيقة أكثر تعقيداً: الاتفاق قد يكون فرصة تاريخية للبنان لاستعادة قرار الدولة، لكنه قد يتحول أيضاً إلى نظام رقابة دائم إذا لم تُحسن الدولة اللبنانية إدارة مراحله وشروطه.

أولاً: ماذا يقول الاتفاق؟

الإطار الذي أُعلن في 26 حزيران يعلن هدفاً واضحاً: إنهاء النزاع بين لبنان وإسرائيل، معالجة أسبابه، وإنهاء حالة الحرب، وصولاً إلى علاقات بين دولتين متجاورتين تتمتعان بالسيادة. كما يربط بين استعادة الدولة اللبنانية سلطتها على كامل أراضيها وبين تفكيك سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية وبنيتها العسكرية، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي.

وهنا تكمن النقطة الجوهرية.

الاتفاق لا يقول ببساطة: إسرائيل تنسحب ولبنان ينتشر.

بل يقوم على معادلة:

تقدم في بسط سلطة الدولة ونزع السلاح تقدم في الانسحاب الإسرائيلي.

وهذه معادلة مختلفة تماماً عن اتفاق وقف إطلاق النار التقليدي.

فلبنان يريد الانسحاب الإسرائيلي واستعادة سيادته، وإسرائيل تريد ضمان عدم عودة التهديد العسكري من الأراضي اللبنانية.

والولايات المتحدة تحاول أن تكون الوسيط والضامن والمراقب في الوقت نفسه.

ثانياً: أين موقع الجيش اللبناني؟

هنا تبدأ المسألة الأكثر حساسية.

الاتفاق يعطي الجيش اللبناني دوراً مركزياً في المرحلة المقبلة.

فالمطلوب منه ليس فقط الانتشار على الحدود، بل أن يصبح عملياً القوة العسكرية الشرعية الوحيدة القادرة على ممارسة السلطة الأمنية والعسكرية على الأراضي اللبنانية.

وهذا يتوافق في الأصل مع منطق اتفاق الطائف والقرار 1701 ومبدأ حصرية السلاح بيد الدولة. بل إن الرئاسة اللبنانية نفسها تؤكد أن الهدف هو بسط سيادة الدولة بقواها الذاتية وحصر قرار الحرب والسلم بالمؤسسات الدستورية.

ومن هذه الزاوية يمكن النظر إلى الاتفاق بإيجابية.

فلبنان الذي عانى طويلاً من تعدد مراكز القوة قد يجد نفسه أمام فرصة لإعادة الاعتبار إلى مؤسسته العسكرية.

لكن المشكلة ليست في دور الجيش.

المشكلة في من يراقب الجيش وهو يؤدي هذا الدور؟

وهنا نصل إلى السؤال الأكثر حساسية.

ثالثاً: هل سيصبح الجيش اللبناني تحت الاختبار؟

المعلومات التي ظهرت في الأيام الأخيرة تشير إلى أن الولايات المتحدة وإسرائيل ولبنان يبحثون في تشكيل قوة من دول ثالثة للتحقق من تنفيذ عملية نزع السلاح.

لبنان رفض أن تكون شركات أمنية خاصة هي الجهة التي تقوم بهذا الدور، وتم الاتفاق على بحث مشاركة دول، مع احتمال وضع هذه القوات ضمن إطار الأمم المتحدة أو ترتيب دولي آخر. ولا تزال طبيعة هذه القوة وعدد أفرادها وصلاحياتها وعلاقتها بالجيش اللبناني قيد التفاوض.

وهنا يجب أن نكون دقيقين جداً.

المراقبة ليست بالضرورة وصاية.

في العلاقات الدولية، توجد آليات كثيرة للتحقق من تنفيذ الاتفاقات، وقد تكون ضرورية لمنع كل طرف من تفسير الاتفاق وفق مصلحته.

لكن الفرق كبير بين:

قوة دولية تتحقق من تنفيذ اتفاق بين دولتين،

وبين:

قوة أجنبية تراقب الجيش اللبناني وتقيّم أداءه وتحدد ما إذا كان قد قام بواجبه أم لا.

الأولى يمكن أن تكون آلية ضمان.

أما الثانية فقد تتحول، إذا أسيء تنظيمها، إلى مساس بصورة الدولة ومؤسساتها.

رابعاً: ماذا يعني ذلك لمعنويات الجيش اللبناني؟

هنا أعتقد أن النقاش يجب أن يكون أكثر عمقاً من مجرد القول إن “الأجنبي سيراقب الجيش”.

فالجيش اللبناني ليس مؤسسة عسكرية عادية.

هو المؤسسة التي بقيت، رغم كل الأزمات، عنواناً من عناوين الدولة اللبنانية.

والعسكري الذي يقف على الحدود يجب أن يشعر بأنه ينفذ قرار دولته، لا أنه يخضع لامتحان أمام جيش أجنبي.

لذلك فإن طريقة بناء آلية المراقبة أهم من وجودها بحد ذاته.

إذا كان المراقب الدولي يقول:

“نحن هنا لمساعدة الجيش اللبناني على تنفيذ مهمته والتحقق من التزام جميع الأطراف”

فهذا شيء.

أما إذا أصبح المشهد:

“نحن نراقب الجيش اللبناني لنتأكد من أنه يقوم بما تريده إسرائيل”

فهنا تصبح المشكلة خطيرة جداً على المعنويات والسيادة معاً.

الجيش يحتاج إلى دعم دولي، نعم.

ويحتاج إلى سلاح وتجهيز وتدريب واستخبارات وقدرات مراقبة حديثة، نعم.

لكن الدعم شيء، والوصاية شيء آخر.

وهذا الخط يجب أن يكون واضحاً في أي ترتيبات تنفيذية للاتفاق.

خامساً: هل يمكن تطبيق الاتفاق على مسافة واحدة؟

هذه هي العقدة الأكبر.

من الناحية النظرية، يجب أن تكون آلية التحقق محايدة.

أي أنها لا تراقب لبنان فقط.

بل تراقب:

لبنان وإسرائيل معاً.

فإذا حصل خرق لبناني، يجب تسجيله.

وإذا حصل خرق إسرائيلي، يجب تسجيله أيضاً.

وإذا بقيت القوات الإسرائيلية في أرض لبنانية بعد انتهاء المرحلة المحددة، فهذا أيضاً يجب أن يدخل في سجل الخروقات.

وإذا وقع إطلاق نار من لبنان، فهذا كذلك.

العدالة هنا لا تعني مساواة المسؤوليات في كل حادثة، بل تعني مساواة معيار التحقق.

وهذه نقطة جوهرية.

لأن لبنان لا يستطيع أن يقبل بمنظومة يكون فيها المطلوب منه أن يثبت باستمرار حسن سلوكه، بينما تبقى إسرائيل صاحبة حق تفسير “التهديد” و”الدفاع عن النفس” بالطريقة التي تراها.

وقد كانت مسألة “حق الدفاع عن النفس” أصلاً من أكثر النقاط حساسية في ترتيبات وقف إطلاق النار السابقة، بسبب مخاوف لبنانية من أن تتحول إلى مبرر لعمليات إسرائيلية داخل لبنان.

سادساً: من المستفيد؟

إذا أردنا أن نكون فعلاً على الحياد، فلا يجوز أن نجيب بكلمة واحدة.

المستفيد الأول المحتمل: لبنان

إذا أدى الاتفاق إلى:

انسحاب إسرائيلي كامل من الأراضي اللبنانية.

توقف الأعمال العدائية.

عودة السكان إلى قراهم.

إعادة إعمار المناطق المتضررة.

تعزيز الجيش اللبناني.

حصر السلاح وقرار الحرب والسلم بالدولة.

تثبيت الحدود.

وفتح الباب أمام المساعدات والاستثمارات.

فإن لبنان سيكون أمام تحول تاريخي.

والفرنسيون أنفسهم وصفوا الاتفاق بأنه يمكن أن يمهد لاستعادة السيادة اللبنانية الكاملة، واحتكار الدولة للسلاح، وانسحاب الجيش الإسرائيلي من الأراضي اللبنانية.

المستفيد الثاني: إسرائيل

إسرائيل تحصل في المقابل على هدف أمني أساسي:

منع إعادة بناء بنية عسكرية معادية لها على حدودها الشمالية.

كما أن ربط الانسحاب الإسرائيلي بالتقدم في نزع السلاح يمنحها ضمانة أكبر مما كان متاحاً في ترتيبات سابقة.

المستفيد الثالث: الولايات المتحدة

واشنطن تصبح اللاعب الدولي المركزي في الملف اللبناني-الإسرائيلي.

فهي لا تقوم فقط بالوساطة، بل تشارك في هندسة آلية التنفيذ، وتدفع باتجاه وجود طرف ثالث للتحقق من عملية نزع السلاح.

وهذا يمنحها نفوذاً كبيراً في مرحلة إعادة ترتيب المنطقة.

أما المستفيد الأكبر، إذا نجح الاتفاق…

فقد يكون الدولة اللبنانية نفسها.

ليس لأن لبنان “انتصر” على إسرائيل أو لأن إسرائيل “انتصرت” على لبنان، وإنما لأن أفضل نتيجة ممكنة للاتفاق هي أن تنتقل وظيفة الدفاع والأمن تدريجياً من القوى غير الحكومية إلى الدولة.

وهذه، في جوهرها، ليست هدية لإسرائيل ولا للولايات المتحدة.

بل هي أحد مطالب الدولة اللبنانية منذ عقود.

سابعاً: ولكن أين الخطر؟

الخطر أن يتحول الاتفاق من مرحلة انتقالية إلى وضع دائم.

أي أن يبقى لبنان تحت نظام:

راقبوا لبنان.

فتشوا لبنان.

تحققوا من لبنان.

أثبتوا أن لبنان التزم.

بينما تبقى إسرائيل في موقع الطرف الذي يحدد متى يشعر بالتهديد.

هنا تصبح المعادلة غير متوازنة.

ولهذا يجب أن تكون آلية التحقق:

محددة الصلاحيات، محددة المدة، متبادلة، ومرتبطة بجدول زمني واضح للانسحاب الإسرائيلي.

ولا يجوز أن يكون التحقق من طرف واحد.

ثامناً: ماذا عن كرامة الجيش اللبناني؟

هذه ربما النقطة التي تستحق أن نتوقف عندها أكثر.

الجيش اللبناني لا ينبغي أن يشعر بأنه تحت وصاية أحد.

بل على العكس:

إذا حصل الجيش على الدعم الدولي المطلوب، وأصبح هو صاحب السلطة الفعلية على الأرض، فإن وجود خبراء أو مراقبين دوليين يمكن أن يتحول من عنصر انتقاص إلى عنصر قوة.

كيف؟

عندما يصبح المراقب الدولي شاهداً على قدرة الجيش اللبناني، لا حكماً عليه.

هناك فرق كبير.

فالجيش الذي يعمل تحت أعين العالم ويثبت أنه قادر على حماية الحدود وفرض سلطة الدولة يمكن أن يخرج من التجربة أقوى معنويات، لا أضعفها.

أما إذا شعر العسكري أن هناك جهة أجنبية تراقبه لتقرر إن كان “جيداً بما يكفي”، فهنا قد يتولد شعور بالإهانة أو فقدان الثقة.

وهذا أمر يجب ألا يستهان به.

تاسعاً: المعادلة الأصعب

هناك سؤال لا يمكن تجاهله:

ماذا يحدث إذا لم ينفذ طرف ما التزاماته؟

إذا لم يتم نزع السلاح كما هو مطلوب، هل يتوقف الانسحاب الإسرائيلي؟

وإذا لم تنسحب إسرائيل في الموعد المتفق عليه، هل تتوقف التزامات لبنان؟

وإذا وقع خرق من أي طرف، من يقرر أنه خرق؟

ومن يقرر حجم الخرق؟

ومن يقرر الإجراء؟

هذه الأسئلة ليست تفاصيل تقنية.

هذه هي الاتفاقية نفسها.

لأن نجاح الاتفاق لن يتوقف على اللغة الجميلة التي وردت في مقدمته، بل على آلية تفسير البنود عند أول أزمة.

وقد شهدنا بالفعل أن مفاوضات التنفيذ لم تحسم بعد حتى مكان الانسحاب الإسرائيلي التالي، فيما يستمر البحث في شكل القوة الأجنبية التي ستتحقق من نزع السلاح.

عاشراً: هل الاتفاق قابل للتطبيق؟

يتبع…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى