اخبار لبنانبةالانتشار اللبنانيسليدر خاصمقالات

طفل مات على المضمار.. و”بيروت ماراتون” تنسب إلى سلام إشادة بـ”احترافيتها”: من يوضح؟

بين أمّ محمد علي ومي الخليل… روايتان من السراي وسؤال واحد: ماذا قال سلام عن الجمعية؟

ريان مكداشي وآلاء حميد وضعتا أمام رئيس الحكومة ملف وفاة محمد علي دعبول، فتوقف عند سؤال سيارة الإسعاف التي كانت، بحسب المعطيات التي عرضتها والدته، على مسافة تقارب كيلومتراً ونصف كيلومتر من مكان سقوطه. وبعد ذلك، أصدرت جمعية بيروت ماراثون بياناً عن لقائها سلام نسبت إليه فيه إشادة بـ«المعايير الاحترافية» للجمعية. بين اللقاءين، سؤال يحتاج إلى جواب: ماذا قال رئيس الحكومة فعلاً، وأين تنتهي رواية السراي وتبدأ رواية الجمعية، ومن وراء الاشادة؟

كتب علي قصاب

حين استقبل رئيس الحكومة نواف سلام، ريان مكداشي، والدة العداء الراحل محمد علي دعبول، برفقة الناشطة في حقوق الطفل آلاء حميد، لم يكن أمامه ملف رياضي عادي، بل قضية فتى توفي خلال سباق نظمته جمعية “بيروت ماراثون”، وعائلة ما تزال تبحث عن حقيقة ما جرى في الدقائق الحاسمة التي أعقبت سقوط ابنها.

استمع سلام إلى مكداشي وهي تروي تفاصيل وفاة محمد علي ومسار القضية والتحركات التي قامت بها منذ رحيله. وقدّم إليها تعازيه، وأبدى حزنه وتضامنه معها.

لكن معلومة محددة استوقفت رئيس الحكومة.

أبلغته والدة الطفل، ضمن ما عرضته من معطيات، أن سيارة إسعاف كانت موجودة على مسافة تقارب كيلومتراً ونصف كيلومتر من مكان سقوط محمد.

توقف سلام عند هذه النقطة متسائلاً، وفق روايتها: كيف لم تصل سيارة الإسعاف إلى محمد؟

سؤال تختصر كلماته القليلة جانباً أساسياً من القضية. فالمسألة لم تعد فقط أن محمد أصيب بتوقف قلبي خلال السباق. المسألة التي تطالب العائلة بكشفها هي ماذا حصل بعد سقوطه: أين كانت فرق الإسعاف؟ من تلقى نداء الاستغاثة؟ لماذا لم تصل سيارة الإسعاف القريبة إلى مكانه؟ كم استغرق وصول المساعدة الطبية؟ وما هي تجهيزات الطوارئ التي كانت موجودة فعلياً على المسار؟

هذه الأسئلة لم تحملها مكداشي إلى رئيس الحكومة بحثاً عن إدانة سياسية للجمعية أو عن تدخل في القضاء. بل شرحت له أيضاً تحركاتها لدى الوزارات والإدارات المعنية، وسعيها، بمواكبة آلاء حميد، إلى تحويل مأساة محمد علي إلى تشريع وبروتوكول ملزم لحماية العدائين، يحدد بوضوح شروط السلامة والاستجابة الطبية في السباقات، وهو مسار وصل، وفق ما تؤكده العائلة، إلى مجلس شورى الدولة.

لكن زيارة أخرى إلى السراي الحكومي أعادت ملف محمد إلى الواجهة من باب مختلف تماماً.

هذه المرة، كانت الزائرة رئيسة جمعية «بيروت ماراثون» مي الخليل، يرافقها الوكيل القانوني للجمعية جاد لطفي.

وبعد اللقاء، لم يصدر الكلام المتداول عن رئاسة الحكومة، بل عن جمعية بيروت ماراثون نفسها.

أعلنت الجمعية في بيانها أنها أطلعت سلام على نشاطاتها منذ تأسيسها عام 2003، وعلى إنجازاتها وتصنيفاتها الدولية، ثم نسبت إلى رئيس الحكومة إشادة بـ«الدور الفاعل» الذي تلعبه الجمعية وبـ«المعايير الاحترافية» التي تعتمدها، فضلاً عن دورها في تعزيز الوحدة الوطنية وإظهار بيروت بالصورة الحضارية.

وهنا تبدأ المفارقة.. الرجل نفسه الذي استمع إلى أم محمد وهي تشرح كيف توفي ابنها، والذي توقف، وفق روايتها، أمام سؤال كيف لم تصل سيارة إسعاف موجودة على مسافة قريبة إلى مكان سقوطه؟، تنسب إليه الجمعية لاحقاً إشادة واسعة باحترافيتها.

فماذا قال نواف سلام تحديداً؟

وأين هو الموقف الرسمي لرئاسة الحكومة من الكلام الذي نُسب إليه؟

السؤال لا يتصل بالتشكيك في حصول اللقاء، ولا بحق جمعية بيروت ماراثون في عرض تاريخها والدفاع عن صورتها. لكنه يصبح مشروعاً وضرورياً عندما تكون الجمعية طرفاً في نزاع قضائي على خلفية وفاة محمد علي، وعندما يصدر عنها هي، لا عن رئاسة الحكومة، بيان ينسب إلى رئيس الحكومة إشادة بمعاييرها الاحترافية.

هناك فارق جوهري بين أن تقول رئاسة مجلس الوزراء رسمياً إن رئيس الحكومة اتخذ موقفاً، وبين أن يقول طرف التقى رئيس الحكومة إن سلام قال ذلك.

ويزداد هذا الفارق حساسية عندما يكون هذا الطرف نفسه موضع مساءلة أمام القضاء في قضية لم يصدر فيها حكم نهائي بعد.

فمحمد علي دعبول لم يمت في حادث منفصل عن نشاط الجمعية. لقد سقط خلال سباق نظمته “بيروت ماراثون”، وعائلته رفعت دعوى وتطالب بالتحقيق في ظروف الاستجابة الطبية وإجراءات السلامة والمسؤوليات المترتبة عليها.

والقضاء لم يقل كلمته النهائية بعد.. لذلك، لا يجوز استخدام أي إشادة سياسية أو رسمية بتاريخ الجمعية وكأنها شهادة براءة في ملف قضائي مفتوح.

فالاحترافية لا تُقاس فقط بعدد السباقات ولا بالشهادات والتصنيفات.. بل تُختبر عندما يسقط عدّاء على المضمار. تُختبر بسرعة الاستجابة وبموقع سيارة الإسعاف وبجاهزية الطواقم وبوجود أجهزة الإنعاش وبوضوح خطة الطوارئ، وبقدرة النظام الموضوع لحماية المشاركين على العمل عندما تصبح حياة إنسان معلقة بالدقائق.

وهنا تحديداً يعود سؤال الرئيس نواف سلام، ليصبح أكثر أهمية من كل ما ورد في بيان الجمعية:

إذا كانت سيارة الإسعاف على مسافة تقارب كيلومتراً ونصف كيلومتر، فلماذا لم تصل إلى محمد علي؟

هذا هو السؤال الذي حملته ريان مكداشي إلى السراي، وهو السؤال الذي لم تجب عنه التصنيفات الدولية الواردة في بيان «بيروت ماراثون».ولا تجيب عنه الإشادة بتاريخ الجمعية. ولا تحسمه صورة لقاء في مكتب رئيس الحكومة.

الجواب موجود في مكان آخر: في سجلات الاتصالات، وأوقات طلب النجدة، ومواقع سيارات الإسعاف، وخطة الطوارئ الموضوعة للسباق، وتجهيزات الإنقاذ، وشهادات الموجودين على الأرض، وما ستخلص إليه التحقيقات والقضاء.

ومن هنا، فإن المطلوب من رئاسة الحكومة ليس إدانة الجمعية ولا تبرئتها.

المطلوب أبسط من ذلك وأكثر أهمية: توضيح ما قاله رئيس الحكومة.

هل أشاد سلام فعلاً، وفي ظل وجود هذه القضية أمام القضاء، بـ”المعايير الاحترافية” لجمعية بيروت ماراثون بالصيغة التي أوردها بيانها؟!

الفارق ليس تفصيلاً لغوياً. إنه فارق جوهري بالنسبة إلى عائلة دفنت ابنها ولا تزال تنتظر معرفة ما إذا كانت كل الإجراءات التي كان يفترض أن تحميه قد اتُخذت بالفعل.

وفي دولة يفترض أن تحترم استقلال القضاء، ورئيس حكومة يعتبر مرجعا قضائيا دوليا، لا ينبغي لأي طرف في دعوى مفتوحة أن يستطيع تحويل زيارة بروتوكولية لمسؤول إلى ما قد يُفهم منه أنه تزكية رسمية لموقفه في قضية لم تُحسم.

أما أم محمد علي، فقد خرجت من مكتب رئيس الحكومة من دون شهادة تقدير أو حديث عن إنجازات. خرجت بسؤال واحد توقف عنده نواف سلام: كيف لم تصل سيارة الإسعاف إلى محمد؟

حتى اليوم، هذا السؤال ينتظر جواباً، ليس من بيان إعلامي، بل من نتائج التحقيقات والقضاء!

 

عن الكاتب: علي قصاب

صحافي ومستشار الندوة الاقتصادية.
مدير تحرير موقع الإنتشار.

متخصص في التحليل السياسي والاقتصادي، يركز في كتاباته على تقديم الخبر بسياقه التحليلي وفهم أبعاد القضايا الراهنة بمهنية وموضوعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى