مقالات

وهم المنصب وشراء المجد: قراءة نفسية وسيكولوجية في حالة سياسية لبنانية…

يقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

ليست ظاهرة بيع المناصب الوهمية أو الإيحاء بالقدرة على “صناعة نواب ووزراء ومدراء عامين ” مجرد عملية احتيال عابرة، بل هي كاشف نفسي خطير لبنية سياسية واجتماعية مريضة. الأخطر من الشخص الذي يبيع الوهم، هو ذلك الذي يشتريه، مقتنعًا أن المال يمكن أن يختصر الشرعية، وأن المنصب يمكن أن يُشترى كما تُشترى أي سلعة.

أولًا: التقييم النفسي لمن يدفع المال لمنصب وهمي
١- عقلية الاستثمار لا الخدمة:
الشخص الذي يدفع المال لا يرى المنصب كمسؤولية عامة أو تكليف أخلاقي، بل كفرصة استثمارية. في وعيه الداخلي، المنصب هو:
مدخل للنفوذ
وسيلة للوصول إلى المال
مظلة حماية سياسية واجتماعية
هنا يحصل انقلاب في المفهوم: تتحول الدولة من كيان يُخدم إلى سوق يُستثمر. نفسيًا، هذا يدل على تشوّه في العلاقة مع السلطة، حيث تُفرغ من بعدها القيمي وتُختزل بعائدها المادي.
٢- وهم الاستحقاق:
كثيرون ممن يدفعون المال يحملون قناعة داخلية مفادها:
” أنا أستحق هذا الموقع، حتى لو لم أصل إليه بالطريق الصحيح”
“الجميع وصل بهذه الطريقة، فلماذا أكون مختلفًا؟” اما من يستحق ربما لا يملك المال لذلك .
هذا الوهم هو شكل من النرجسية السياسية، حيث يرى الشخص نفسه أرفع من القواعد، وأحق من غيره، ويعتبر المال وسيلة “تصحيح” لعدم قدرته على الإقناع الشعبي أو الكفاءة.
٣- انعدام الثقة بالذات:
المفارقة أن الدفع للمنصب غالبًا لا يصدر عن قوة، بل عن ضعف:
ضعف في القاعدة الشعبية
ضعف في الخطاب
ضعف في القدرة على المنافسة
لذلك يلجأ الفرد إلى شراء ما عجز عن بنائه. في علم النفس السياسي، هذا يُسمّى:
تعويضًا قهريًا عن فشل داخلي مُدرَك.

ثانيًا: التقييم النفسي لمن يبيع الوهم
١- شخصية المحتال الكاريزمي
من يبيع الوهم لا يعمل بعشوائية. هو:
قارئ جيّد للطموحات
مستمع ذكي لنقاط الضعف
متقن للغموض المدروس
خطابه لا يكون مباشرًا، بل مملوءًا بالإيحاءات، بما يسمح له دائمًا بالإنكار. هو لا يعد، بل “يُلمّح”، ولا يضمن، بل “يفتح أفقًا”.
٢- ذكاء عاطفي بلا أخلاق
هذا النوع من الشخصيات لا يخلق الطموح، بل يستثمر فيه. يجد الشخص الطامح:
متعطشًا
مستعجلًا
خائفًا من الفشل
فيقدّم له الوهم كحل سحري. هنا، لا تكمن الخطورة فقط في الشخص، بل في السوق النفسية الجاهزة لتصديق الوهم.

ثالثًا: لماذا تنجح هذه الظاهرة في لبنان؟
١- ثقافة المنصب لا الدولة
في الوعي الجمعي السائد:
المنصب = قوة
المنصب = حماية
المنصب = مال
نادراً ما يُطرح السؤال الجوهري: ماذا سأقدّم؟
بل السؤال الحقيقي هو: ماذا سأجني؟
وهذا يفتح الباب أمام تحويل أي موقع عام إلى سلعة.
٢- غياب المحاسبة
حين لا يُسأل المسؤول:
كيف وصل؟
من موّله؟
كيف راكم ثروته؟
يصبح الطريق إلى المنصب مفتوحًا لكل من يملك المال، لا لكل من يملك الكفاءة. عندها، لا يعود الاحتيال صدمة، بل تفصيلًا.
٣- التطبيع مع الفساد
الأخطر من الفساد هو الاعتياد عليه. حين يعرف الجميع أن:
المناصب تُشترى
والنتائج مُفبركة
والمحاسبة غائبة
يصبح المحتال نتيجة طبيعية للنظام، لا استثناءً عنه.

الخلاصة النفسية
ما جرى ليس مواجهة بين:
محتال وضحية
بل تلاقٍ بين:
طموح مريض
ووهم مربح
ونظام عاجز عن إنتاج الشرعية
من يدفع لمنصب وهمي لا يُخدع… بل يكشف نفسه.
ومن يبيع الوهم لا يصنع الفساد… بل يستثمر فيه.
وفي الحالتين، الخاسر الوحيد هو الدولة، حين تتحول من معنى إلى صفقة…

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى