مقالات

حشد العقلاء… وحشد القطيع…

بقلم// العميد الركن المتقاعد د. جوزف س. عبيد

حشدُ العقلاء أمرٌ معقّدٌ الى حدّ الإرهاق. ليس لأنهم قِلّة، بل لأنهم يفكّرون. لأنهم يسألون قبل أن يسيروا، ويشكّون قبل أن يصفّقوا، ويطالبون بالمعنى قبل الشعار. العقلاء لا يجتمعون على صوتٍ عالٍ، بل على فكرة واضحة، ولا يتحرّكون بدافع الخوف أو الغريزة، بل بدافع القناعة والمسؤولية.
العاقل لا يُقاد، بل يُقنَع.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى لكل سلطة، ولكل خطاب شعبوي، ولكل مشروع قائم على التجييش لا على الوعي.

في المقابل، حشد القطيع مسألة بسيطة، لا تحتاج أكثر من راعٍ يجيد الصراخ، ومن يعرف أن يطارد من يحاول الإبتعاد . لا حاجة لبرنامج، ولا لرؤية، ولا حتى للحقيقة. يكفي خلق خوفٍ ما، عدوّ ما، أو وعدٍ غامض بالخلاص، فيتحرّك الجمع تلقائيًا، منقادًا لا سائلًا، متحمّسًا لا واعيًا.
القطيع لا يسأل إلى أين نذهب، بل يكتفي بأن لا يكون آخر الواصلين.
ولا يسأل لماذا، بل من معنا ومن ضدّنا.

التاريخ، في كل مراحله، لم يُصنع بحشود القطيع، بل دُفع ثمنه بسببها. فكلّ كارثة كبرى سبقتها جموع تهتف أكثر مما تفكّر، وتصدّق أكثر مما تتحقّق، وتهاجم أكثر مما تفهم. القطيع لا يصنع الحضارات، بل يستهلكها. ولا يبني الأوطان، بل يصفّق لانهيارها وهو يظنّ نفسه منتصرًا.

أما العقلاء، فهم دائمًا الأقل ضجيجًا، الأكثر عزلة، والأبطأ حركة. لأنهم يدركون أن القرار الخاطئ أخطر من عدم القرار، وأن الحماس الأعمى أقرب طريق إلى الهاوية. لذلك يُتَّهَمون بالتردّد، وبالبرود، وبالانفصال عن “الشارع”، بينما الحقيقة أنهم وحدهم متصلون بالمستقبل.

حشد العقلاء يتطلّب شجاعة أخلاقية، وصدقًا في الخطاب، واستعدادًا للاعتراف بالأخطاء. يتطلّب قادة يعرفون أن السلطة تكليف لا غنيمة، وأن الناس شركاء لا أدوات. وهذا تحديدًا ما يجعل العقلاء خطرًا على كل من يفضّل السيطرة على الشراكة، والطاعة على الوعي.

لهذا السبب، يُهمَّش العقلاء، ويُسخر منهم، ويُستبدلون بالقطيع كلما ضاق الوقت، أو اقتربت الاستحقاقات، أو فشلت المشاريع. فالقطيع أسرع تعبئة، وأرخص تكلفة، وأقل مساءلة.

لكن الفارق الجوهري يبقى هنا:
العقلاء قد يتأخّرون، لكنهم لا يضلّون الطريق.
والقطيع قد يصل سريعًا… إنما إلى الهاوية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى