مقالات

توازنات هشة ورسائل بالنار

بقلم// خضر رسلان

ليس من السهل قراءة المشهد الإقليمي من خلال حركة الميدان وحدها، فالكثير مما يجري اليوم يُدار خلف أبواب مغلقة، فيما لا يظهر إلى العلن سوى جزء من الصورة. ولهذا، فإن الاعتقاد بأن المنطقة دخلت مرحلة استقرار يبدو متسرعًا، كما أن الحديث عن حرب إقليمية شاملة بات أمرًا محسومًا لا يستند، حتى الآن، إلى معطيات كافية.

ما يمكن قوله بثقة هو أن الإقليم برمته يقف عند نقطة مفصلية. فالجميع أعاد تموضعه، والجميع يختبر حدود الطرف الآخر، لكن أحدًا لا يبدو أنه يريد أن يكون صاحب الطلقة الأولى التي تشعل مواجهة يصعب التحكم بمسارها أو بنتائجها.

الولايات المتحدة تبدو منشغلة اليوم بإدارة الصراع أكثر من توسيعه. فواشنطن تدرك أن أي حرب جديدة في المنطقة لن تكون نسخة مكررة عن الحروب السابقة، بل ستكون مواجهة مفتوحة على احتمالات يصعب احتساب كلفتها السياسية والاقتصادية والعسكرية. لذلك، يُرجَّح أنها تعمل على تثبيت معادلة الردع، بالتوازي مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، لأن البديل سيكون أكثر خطورة على الجميع.

في المقابل، لا تبدو الجمهورية الإسلامية الإيرانية في موقع من يبحث عن مواجهة مباشرة، لكنها أيضًا لا تريد أن تُفسَّر أي مرونة على أنها تراجع. لذلك، فإن استراتيجيتها تقوم على الحفاظ على عناصر القوة التي تمتلكها، مع ترك مساحة للحلول السياسية التي تحفظ سيادتها متى توفرت ظروفها. وهذه المقاربة تجعل المشهد أكثر تعقيدًا، لأن الرسائل المتبادلة تُقرأ في كثير من الأحيان من خلال الميدان، لا عبر البيانات الرسمية.

أما إسرائيل، فتواصل السعي إلى فرض وقائع جديدة، مستفيدة مما حققته عبر اتفاقية الإطار مع السلطة اللبنانية والدعم السياسي الذي وفرته لها، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن أي توسع في دائرة الحرب سيضعها أمام استنزاف طويل، خصوصًا إذا تعددت الجبهات. ومن هنا، فإنها تميل إلى الضغط المستمر، مع محاولة تجنب الانزلاق إلى مواجهة يصعب إنهاؤها سريعًا.

لبنان يبقى الحلقة الأكثر حساسية في هذه المعادلة. فالحدود الجنوبية لا تزال تمثل أحد أكثر خطوط التماس قابلية للاشتعال، غير أن ميزان الردع القائم منذ فترة ما زال يلعب دورًا في كبح الانفجار الكبير. وهذا لا يعني غياب المخاطر، بل إن أي حادث ميداني، أو عملية نوعية، أو خطأ في التقدير، قد يبدل المشهد خلال ساعات.
وفي البحر الأحمر والخليج، تبدو الصورة أكثر ارتباطًا بالاقتصاد العالمي منها بالجغرافيا السياسية فقط.

فالممرات البحرية لم تعد مجرد طرق لنقل النفط والبضائع، بل أصبحت عنصرًا أساسيًا في استقرار الاقتصاد الدولي. ولهذا، فإن أي تطور ميداني فعلي في باب المندب أو مضيق هرمز سيغيّر قواعد اللعبة، ولن تكون تداعياته محصورة بدول المنطقة، بل ستمتد إلى الأسواق العالمية وأسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية.

اللافت في المرحلة الحالية أن التصعيد العسكري لم يلغِ الحراك الدبلوماسي، بل يسير معه بالتوازي. وهذا يعني أن الرسائل بالنار لا تزال جزءًا من أدوات التفاوض، وأن الميدان يُستخدم لتحسين شروط السياسة، وليس بالضرورة لإلغاء السياسة نفسها.

من هنا، يبدو أن الأيام المقبلة ستبقى محكومة بحالة من التوتر المنضبط. ستستمر الضغوط، وستتواصل الرسائل المتبادلة، وقد نشهد عمليات أمنية أو عسكرية محدودة، لكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن المنطقة تتجه إلى حرب شاملة.

ومع ذلك، فإن ما يدعو إلى الحذر هو أن الشرق الأوسط لم يعد يحتاج إلى قرار بالحرب حتى ينزلق إليها. فالتشابك الكبير بين الساحات، من غزة إلى لبنان، ومن البحر الأحمر إلى الخليج، يجعل أي حادث أمني كبير قابلًا للتحول إلى أزمة إقليمية خلال وقت قصير، خصوصًا إذا ترافق مع حسابات خاطئة أو ردود فعل متسرعة.

يبدو أن فرص الاحتواء لا تزال أكبر من فرص الانفجار، لكن هامش الأمان يتقلص تدريجيًا. فالمنطقة دخلت مرحلة جديدة، لم تعد تُقاس فيها موازين القوى بعدد الصواريخ أو حجم الجيوش فقط، بل بقدرة كل طرف على فرض إرادته السياسية من دون الوصول إلى حرب لا يستطيع أحد ضمان نتائجها.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستندلع الحرب؟ بل أصبح: هل تستطيع القوى الإقليمية والدولية الاستمرار في ضبط إيقاع الصراع ومنع خروجه عن السيطرة؟

الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط شكل الأسابيع المقبلة، بل سترسم ملامح المرحلة المقبلة بأكملها، لأنها ستبين ما إذا كان الشرق الأوسط يسير نحو تسويات تدريجية تُدار بالتفاوض والردع، أم أنه يقترب من جولة جديدة تُعاد فيها صياغة التوازنات بالنار، في منطقة لم تعد تحتمل هامشًا واسعًا للخطأ، ولا تملك ترف الانزلاق إلى حرب لا يمكن لأحد التنبؤ بنهايتها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى